البشير عبيد – تونس
لم يكن القرار الإسباني بطرد طائرات التزود بالوقود التابعة لسلاح الجو الأمريكي من قاعدة “مورون” الجوية حدثاً إدارياً عابراً، بل بدا كأنه إشارة سياسية مدوّية في لحظة دولية مشحونة.
فبينما تتصاعد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، وتزداد خرائط الاشتباك تعقيداً في الشرق الأوسط، اختارت مدريد أن ترسم لنفسها مساراً مختلفاً، يضع حدوداً واضحة لدورها داخل التحالف الغربي.
هكذا، لم تعد المعركة محصورة في فضاء جغرافي بعيد، بل امتدت ارتداداتها إلى قلب أوروبا، حيث تتقاطع المصالح الأمنية مع حسابات السيادة والشرعية السياسية الداخلية.
قاعدة “مورون” وأهمية الذراع اللوجستية
تقع قاعدة مورون الجوية قرب مدينة إشبيلية جنوب إشبيلية، وتُعد منذ سنوات محطة استراتيجية للقوات الأمريكية في أوروبا. وجود طائرات التزود بالوقود فيها ليس تفصيلاً تقنياً، بل ركيزة أساسية في هندسة العمليات بعيدة المدى.
فحروب العصر الحديث لا تُدار فقط بالصواريخ والطائرات المقاتلة، بل بشبكات الإمداد المعقدة التي تسمح للطائرات بالبقاء في الجو لساعات طويلة، وتوسيع نطاق القصف والمراقبة.
عندما تصدر حكومة إسبانيا قراراً بإخلاء هذه الطائرات ومنع عودتها، فإنها عملياً تعرقل جزءاً مهماً من قدرة البنتاجون على إدارة عمليات طويلة النفس في مسارح بعيدة. فالتزود بالوقود جواً ليس رفاهية عسكرية، بل عنصر حاسم في معادلة “الإدامة العملياتية”، خصوصاً في المواجهات التي تتطلب حضوراً جوياً متواصلاً.
القرار، بهذا المعنى، يتجاوز الرمزية. إنه يمس صميم القدرة على المناورة الجوية، ويجبر المخططين العسكريين على البحث عن بدائل لوجستية قد تكون أكثر كلفة وأبعد جغرافياً. وهنا يتحول الموقف الإسباني من مجرد “إعلان سياسي” إلى معطى استراتيجي يعيد ترتيب الحسابات.
سيادة القرار بين الداخل والخارج
تأتي الخطوة في سياق سياسي أوروبي حساس، حيث تتنامى في بعض العواصم نزعة مراجعة دور القارة في الصراعات العابرة للحدود.
حكومة بيدرو سانشيز، التي تقود ائتلافاً معقداً داخلياً، تجد نفسها أمام رأي عام متحفظ إزاء الانخراط في مواجهات عسكرية لا تمس الأمن الوطني مباشرة.
القرار الإسباني يمكن قراءته بوصفه إعادة تأكيد على “سيادة القرار”، ورسالة إلى الداخل قبل الخارج بأن مدريد ليست ملزمة بتوفير دعم لوجستي لعمليات قد تجر البلاد إلى تبعات سياسية وأمنية غير محسوبة.
فالتاريخ الحديث لأوروبا، منذ حرب العراق، ما زال يلقي بظلاله الثقيلة على وعي الشارع، ويغذي حساسية عالية تجاه الانخراط غير المشروط في مغامرات عسكرية تقودها واشنطن.
لكن السيادة هنا ليست مجرد شعار. إنها ممارسة عملية تُعيد تعريف حدود الالتزام داخل التحالفات. فعضوية إسبانيا في حلف شمال الأطلسي لا تعني تفويضاً مطلقاً باستخدام أراضيها في كل ظرف. ومن ثم، فإن ما حدث هو اختبار حقيقي لمعادلة “التحالف مع الاحتفاظ بحق الاعتراض”.
تصدع في جدار الإجماع الغربي؟
التحالفات الغربية طالما بُنيت على فكرة الانسجام الاستراتيجي في القضايا الكبرى. غير أن المواجهة الراهنة مع إيران تكشف هشاشة هذا الإجماع. فبينما تميل بعض العواصم إلى دعم واشنطن سياسياً وربما عسكرياً، تفضّل أخرى التزام الحذر أو الدفع نحو التهدئة.
خطوة مدريد تطرح سؤالاً أوسع: هل نحن أمام تصدع فعلي في الجبهة الغربية، أم مجرد تباين تكتيكي؟ من منظور واشنطن، أي تراجع في الدعم اللوجستي يُقرأ بوصفه إشارة سلبية، خصوصاً في لحظة تحتاج فيها الإدارة الأمريكية إلى حشد أكبر قدر من التأييد الدولي لتبرير عملياتها.
غير أن المشهد أكثر تعقيداً. أوروبا اليوم ليست كتلة صماء. فداخل الاتحاد الأوروبي تتباين المقاربات إزاء ملفات الأمن والطاقة والعلاقات مع الشرق الأوسط. وبعض الدول ترى أن التصعيد العسكري قد يهدد مصالحها الاقتصادية ويزيد من تدفقات الهجرة أو الاضطرابات الإقليمية التي تنعكس مباشرة على القارة.
بالتالي، فإن القرار الإسباني قد يشجع نقاشاً أوسع حول حدود الانخراط الأوروبي في الصراعات التي تقودها الولايات المتحدة. وهذا النقاش، إن اتسع، قد يفضي إلى إعادة صياغة غير معلنة لقواعد الشراكة عبر الأطلسي.
واشنطن بين البحث عن بدائل وإدارة الرسائل
بالنسبة للإدارة الأمريكية، التحدي مزدوج: عسكري وسياسي. عسكرياً، يمكن للبنتاجون البحث عن قواعد بديلة في جنوب أوروبا أو شرقها، أو تعزيز الاعتماد على حاملات الطائرات في البحار المجاورة. غير أن كل خيار يحمل كلفة زمنية ومالية، ويعقّد التخطيط العملياتي.
سياسياً، تبدو الرسالة الإسبانية أكثر حساسية. فهي تضع واشنطن أمام واقع أن الدعم الغربي ليس مضموناً بلا شروط، وأن إدارة التحالفات تتطلب قدراً أكبر من التشاور والتوافق. وفي ظل انقسام داخلي أمريكي حول جدوى المواجهة مع إيران، فإن أي شرخ خارجي يضيف ضغطاً إضافياً على صانع القرار في البيت الأبيض.
ثم إن الصورة الرمزية لمغادرة الطائرات الأراضي الإسبانية لا يمكن التقليل من أثرها. فهي توحي بأن الحرب، مهما بدت بعيدة جغرافياً، تترك آثاراً مباشرة على بنية التحالفات. وفي عالم السياسة الدولية، للرموز وزن لا يقل عن الوقائع العسكرية.
المواجهة مع إيران في ظل بيئة دولية متحولة
التصعيد ضد إيران لا يجري في فراغ. إنه يحدث في سياق نظام دولي يتجه نحو التعددية، حيث لم تعد واشنطن تتمتع بهامش الحركة ذاته الذي كان متاحاً قبل عقدين. القوى الصاعدة، والتنافس مع موسكو وبكين، وتراجع الثقة في القيادة الأمريكية لدى بعض الحلفاء، كلها عوامل تضغط على هامش المناورة.
في هذا الإطار، قد لا يكون القرار الإسباني سوى مؤشر على تحول أعمق: انتقال بعض الدول الأوروبية من موقع “الداعم التلقائي” إلى موقع “الشريك المشروط”.
وهذا التحول، إن ترسخ، سيجبر واشنطن على إعادة حساباتها، ليس فقط في هذه المواجهة، بل في مجمل استراتيجيتها الشرق أوسطية.
كما أن طهران نفسها تراقب هذه التباينات بعين سياسية باردة. فكل إشارة إلى انقسام غربي تُقرأ كفرصة لتوسيع هامش الصمود والمناورة الدبلوماسية. وهنا يتقاطع العسكري بالسياسي: إذ إن قدرة أي طرف على فرض إرادته لا تقاس فقط بقوة سلاحه، بل بصلابة التحالف الذي يقف خلفه.
بين الواقعية السياسية وحدود المغامرة
ما حدث في مورون ليس حدثاً معزولاً، بل تجلٍ لجدل أعمق داخل المعسكر الغربي حول حدود القوة واستخدامها. فالحروب الطويلة في العقدين الماضيين أفرزت إرهاقاً استراتيجياً لدى الرأي العام الأوروبي، وأعادت طرح سؤال الجدوى والكلفة.
مدريد، في قرارها، بدت وكأنها تمارس نوعاً من “الواقعية السياسية”، رافضة الانجرار إلى مسار قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها. غير أن هذه الواقعية تحمل في طياتها مخاطرة: إذ قد تُفسَّر في واشنطن على أنها تقويض للتضامن عبر الأطلسي.
في النهاية، يظل السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام لحظة عابرة ستُطوى مع أول تسوية سياسية، أم أمام بداية إعادة تشكل في بنية التحالفات الغربية؟ المؤكد أن قرار إسبانيا أضاف عنصراً جديداً إلى معادلة معقدة، وأثبت أن ساحات المواجهة لم تعد تُرسم فقط على خرائط الشرق الأوسط، بل تمتد خيوطها إلى قواعد عسكرية في جنوب أوروبا، وإلى قاعات القرار في العواصم الغربية.
وهكذا، بينما تتصاعد ألسنة النار في الشرق، تتشكل في الغرب ملامح نقاش صامت حول معنى الشراكة وحدودها. وبين الحسابات العسكرية ومقتضيات السيادة، تتكشف حقيقة أن التحالفات، مهما بدت صلبة، تبقى رهينة توازن دقيق بين المصالح الوطنية والالتزامات الجماعية.
وفي هذا التوازن الهش، قد تكون “صفعة مدريد” بداية فصل جديد في قصة العلاقة المعقدة بين أوروبا و واشنطن.
* كاتب صحفي و باحث مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي/ الصهيوني




