آراء
أخر الأخبار

لبنان.. قلب واحد

شادي منصور

في كل مرة يمرّ فيها لبنان بمرحلة صعبة، يتكرّر مشهد يكاد يكون جزءاً من هوية هذا البلد: مشهد التضامن العفوي بين أبنائه على اختلاف طوائفهم ومناطقهم وانتماءاتهم.

فلبنان، على الرغم من كل ما يُقال عنه من انقسامات سياسية أو توترات إعلامية، يثبت في اللحظات المفصلية أن نسيجه الاجتماعي أعمق بكثير من الضجيج الذي نراه يومياً على الشاشات ومواقع التواصل.

فعندما تقع الأزمات، أو يشتد الخطر، تتلاشى الكثير من الحواجز المصطنعة. نرى أبناء القرى والمدن يفتحون بيوتهم للنازحين، وتتحول المدارس والكنائس والمساجد والجمعيات إلى مراكز استقبال ومساعدة.

شباب من مختلف المناطق يتطوعون لنقل العائلات، وآخرون يجمعون التبرعات، ويعملون ليلاً ونهاراً لتأمين الطعام والدواء والمأوى للمتضررين. هذه الصور ليست استثناءً في لبنان، بل تكاد تكون القاعدة في كل محنة يمر بها البلد.

هذا التضامن يعكس طبيعة المجتمع اللبناني الذي نشأ تاريخياً على التعايش والتفاعل بين ثقافات متعددة. فلبنان، رغم صغر مساحته، كان دائماً مساحة لقاء بين الأديان والحضارات والأفكار.

ولذلك فإن روح الضيافة والانفتاح على الآخر ليست مجرد شعار، بل جزء من العادات الاجتماعية المتجذرة في حياة اللبنانيين اليومية.

في المقابل، لا يمكن إنكار أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت في السنوات الأخيرة مساحة يعلو فيها أحياناً صوت التوتر والانقسام.

بعض الحسابات أو الأصوات المتطرفة تحاول تصوير المجتمع اللبناني وكأنه يعيش حالة عداء دائم بين مكوناته. لكن الواقع على الأرض غالباً ما يكذّب هذه الصورة. فما نراه في الأحياء والقرى والبيوت من تعاون وتكافل يثبت أن هذه الأصوات تبقى محدودة، ولا تعكس حقيقة المجتمع.

إن المشكلة في الفضاء الرقمي أنه يضخّم أحياناً المواقف المتطرفة، لأنها أكثر إثارة للجدل، بينما تمرّ آلاف المبادرات الإنسانية الهادئة دون ضجيج.

لكن من يعرف لبنان جيداً يدرك أن طبيعته الحقيقية أقرب إلى تلك المبادرات الصامتة التي يقوم بها الناس بدافع إنساني بسيط: مساعدة الآخر لأنه إنسان قبل أي شيء آخر.

لقد مرّ لبنان خلال تاريخه الحديث بمحطات قاسية، ومع ذلك بقي المجتمع قادراً على ترميم نفسه عبر التضامن الأهلي وروح المشاركة. وهذه الروح هي الثروة الحقيقية لهذا البلد.

ربما تختلف الآراء السياسية، وربما تشتد النقاشات في الفضاء العام، لكن ما يظهر في لحظات الشدة يؤكد حقيقة أساسية: اللبناني بطبيعته مضياف، محب للحياة، وقادر على احتضان الآخر. وفي زمن الأزمات، تعود هذه الحقيقة لتظهر بوضوح، مذكّرة الجميع بأن ما يجمع اللبنانيين أكبر بكثير من ما يفرقهم.

https://anbaaexpress.ma/by9y2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى