شادي منصور
خيبةُ أملٍ تحجب عني الكلام، ولساني يعجز عن وصفِ كيف تحوّل شهرُ رمضان وأصلُه الديني التاريخي العميق عند المسلمين إلى شهر “لوك رمضاني ومكياج رمضاني وأفخر المأكولات الرمضانية”.
كما يؤمن المسلمون، رمضان هو الشهرُ التاسعُ في التقويم الهجري، وله عندهم مكانةٌ مقدّسةٌ بين شهور السنة إن لم تكُن الأقدس لارتباطِه بحدثٍ جوهريٍّ في الإسلام وهو نزولُ القرآن الكريم على النبّي محمد.
ويعرفُ هذا الشهرُ، لمن نَسي أو تناسى، أنّه شهرُ صومٍ وشهرُ صلاة وصبرٍ وترويضِ وتطهيرِ النفس وتقربٍ إلى الله والقيامِ بالأعمالِ الخيريةِ والكثيرِ من الصَدقات.
وفيهِ ليلةٌ تُسمّى بـ “ليلة القدر” وكما جاء القرآن هي “خيرٌ من ألف شهر”.
باختصار هو شهرُ روحانيات، وكلِّ ما يقوّي باطنِ الإنسان بالقيمِ السامية والذات العُليا.
إلى أن بِتنا نسمعُ مصطلحاتٍ هجينةُ دخيلةً على لغّتنا وبيئتنا منها “رمضان Vibes”!
نعم يا سادة، باتَ لِرمضان في بلادنا “فايبزاته” و “لوكاته” من look!
ماكياج انحاسي اكستنائي جربيدي مع رموش المكنسة البلاستيكية والملابس البرّاقة البرونزية الليلكية على رأسها “العباءة” المزركشة بالترتر، ويجب أن تلفظها كما تلفظها المؤثرات للدلالة على التطور الفكري” ABAYA”، والّا تكن رجعيًا متأخرًا تعيش في غياهب الجاهلية غير مواكب لصيحات الأزياء الرمضانية!
كيفَ تحوّل الشهرُ الفضيلُ إلى شهر إطلالاتٍ وموسمِ ابتلاعِ أكبر كميّة مأكولاتٍ ساخنةٍ باردةٍ فاترةٍ، كالآلات يَطحنون حتى التخمة، حتّى انفجارِ الكروش والأمعاء!
أذكرُ أنّه كانَ لهذا الشهر نورٌ داخليٌ، تسمعُه قبل أن تراه أذكرُ صوتَ الأذان عند الغروب تتبعهُ رائحةٌ الشوربا في البيوت، ثم خشوع في صلاةِ ودعاء.
كنا نشعرُ بالاكتفاء من طبق أو طبقين، كنا نشعرُ بالشبع، بالسكينةِ والطمأنينةِ التي تهبط على القلوب.
اليوم، أصبح الشهرُ احتفالًا بصريًّا: أنا صائم ولكنّني عالموضة!
أنا صائمةٌ ولكنّي متألّقة مع “أحمر شفاه يدوم ويدوم ولا يُفطِر!
دعواتٌ وإفطاراتٌ وصورُ موائدَ مشويةٍ مُدخّنةٍ مطفايةٍ تلمعُ وتملأُ وسائلَ التواصل، حتّى أخصائيي التغذية باتوا ينتظرون رمضان” كيف تخسر وزنًا في رمضان، كيف تصوم ولا تكسب وزنًا في رمضان! إبدأ بجوز ولوز، ابدأ بتمر، لا لا تبدأ بسكريات يرتفع مستوى السكر في الدم!
يا ربّ العبادة! إعلانات وفلاتر وحميات وأكسسوارات وإشراقات رَمَضانيّة”، هل في ذلك مشكلة؟
لم أقل أنّ الجمالَ يناقضُ الروحانية، وأنّ الاعتناءَ بالمظهرِ يلغي العبادة. المشكلةُ بدأت حين تحولّ الجوهرُ إلى هامشٍ، وأصبحَ التركيزُ على “كيف أبدو وأنا صائم” أهمّ من “كيف أشعر وأنا صائم”!
“رمضان” ليسَ شهرَ عرضِ أزياء، وليس شهرًا مخصّصًا للاعتناء بالبشرة والجسد وكأنّنا في رحلةِ استجمامٍ في منتجعات التدليك وتقشير البلد والساونا، تجمّلوا نعم لكن أولًا من الداخل.
صِدقًا ما هو لوك رمضان؟
من يعرف الإجابة يعرف الجمالَ الحقيقي.
أطفئوا الكاميرات وفلاشاتها، وابحثوا عمّن هم فعليًا صائمون، بلا ستايلات، بلا فلاتر، بلا لوكات، لوجدنا في بيوتهم، وأزقتهم رمضان الحقيقي بلا Vibes:
خشوع، صلاة، نقاء وأفعالُ خير.
أما رمضان vibes ليست إلا تراجيديا وكوميديا سوداء!
ولنا عودةٌ إلى دراما “نجوم ومسلسلات رمضان”!




