أرسل لي زميل طبيب فاضل من مونتريال يتتبع ماكتبت في رمضان 2026م فقال:
قرأت كل المقالات التي ارسلت بها لي منذ 19 فبراير وهي تسع (9). وجدت في هذه المقالة بالتحديد اصدق تعبير عن فكرك وعن مبتغاك في البحث والكتابة. وهذا شيء جميل ان تبين للقارئ بوضوح وصراحة عن دوافعك وأهدافك. هذا نتاج جهاد عمر بأكمله، وليس بقليل وتشكر عليه.
واضح أن الانطلاقة كانت ولا تزال من إيمانك الراسخ بالقرآن ورسالة محمد.
تأتّى عن هذا الايمان عندك كل ما تلاه من محاولة قراءة جديدة للقران على ضوء الحداثة، وعلى ضوء انفجار العلوم على مجملها، وعلى ضوء الهجرة والاحتكاك بالغرب.
والعكس صحيح، محاولة قراءة كل هذه على ضوء القرآن والتوفيق بينهما؛ هذا من ناحية. أما من ناحية اخرى نرى جلياً محاولاتك الدؤوبة بالنهوض بالعقل العربي والإسلامي إلى مستوى ارقى. من حرصك عليه والأرجح أيضا من حزنك عليه.
وثالثا محاولتك بث الاسلام أو روح الإسلام في الغرب كقيمة إضافية أو كحل لتفكك الفرد والعائلة والمجتمع؛ فأبحرت في كل هذه المجالات من منطلقين: علمي وإيماني، كالطيران بجناحين. وهدفك (أيمنة – او اسلمة- العلم) و (علمنة الايمان) إذا جاز التعبير. جميل جدا.
أنا متأكد ان كل هذا السياق أنضجك وأصقلك والمسيرة أفرحتك بحد ذاتها.
سؤال إفتراضي (سامحني): ماذا لو كانت الركيزة الايمانية التي ارتكزت عليها في الأساس خاطئة (القرآن ورسالة محمد)؟ ماذا يبقى؟ يبقى الاجتهاد والسعي، يبقى النية الصافية والصادقة، يبقى الإنسانية الرائعة العابرة لكل الاعتبارات، يبقى الاخلاق والمبادئ والقيم، ويبقى العلم سلاحا ضد التخلف والتعصب.
ليت كل المؤمنين يحذون حذوك. ليت كل العلماء يحذون حذوك. وانا ايضا عساني ان أكون في مسيرتي أحذو حذوك. واذا كانت المنظومة الايمانية التي اخترتها (او هي اختارتني) خاطئة (الايمان بالإنجيل وبيسوع) فعسى ان يبقى الامور الأخرى التي عدناها.
مع محبتي
يبقى البحث عن الحقيقة يجمعنا
بطرس مونتريال أنت صخرة يُركن إليها كما وصف يسوع بطرس الرسول قرأت كلماتك بخشوع أنت نور من المعرفة ذكرتني بالآية القرآنية ذلك بأن منهم قسيسين ورهبان وانهم لا يستكبرون كما ذكرتني بالآية وإنا او إياكم لعلى هدى او في ضلال مبين؛ فقد يكون كلانا ضال، وقد يكون كلانا مهتدي، أو على صراط مستقيم، وقد يكون أحدنا مهتد والآخر في الظلمات يسبح.
وحين بعث يسوع كان بشرا يمشي على الأرض ولكن المؤسسة الدينية حولته الى رب يدير الأفلاك وينبت الزرع والضرع والأجنة في الأرحام، ثم قفزت المؤسسة الدينية، وتكرر نفسها في كل الديانات مثل الأزهر وقم ومبخرة الارثوذكس في روسيا عند بوطين التي منحته شرعية ابتلاع أوكرانيا؛ فجعلت الله آلهة في مثلث احتار في تفسيره البابا والكرادلة أجمعين، ومن ينظر في الإنجيل ويقرأه تحت مشرحة النقد لا يرى فيه أي نص يقول بأن يسوع هو الرب الخالق لكل ما في الكون بمليارات المجرات، وهو ما كلف (جيوردانو برونو) أن يشوى على النار ذات الوقود ـ وليس الوحيد أمام ديناصور محاكم التفتيش التي أرسلت الملايين إلى المحارق على مدى خمسة قرون، في حين أن محمدا (ص) قال عن نفسه أنه بشر مثل البشر؛ باستثناء نافذة فتحت له من السماء تعطيه معين الحكمة وقال عن يسوع أنه حلقة في سلسلة المرسلين التي امتدت عبر الزمن.
نحن هنا أمام جدل في التسليم بثلاث الوجود والخالق والمخلوق. فأما الوجود فعرفنا منذ فترة قصيرة أن وجوده يعود إلى 13,8 مليار سنة، وأنه لم يخلق نفسه بل ثمة عقل وإرادة وحكمة ورحمة وطاقة لا نهائية خلف هذا الوجود نحن نسميه الله، وآخرون يسمونه يهوه، وأما المخلوق فهي كائنات بدأت في رحلة الخلية الأولى بعد ولادة الارض قبل 4.6 مليار سنة، بدأت رحلتها بعد 800 مليون سنة بعد انبثاق الارض.
في رحلة الخالق والوجود والمخلوق، قبل 530 مليون سنة بدأت رحلة عديدات الخلايا وخلال 5 ملايين من السنوات تدفقت في مفاصل الوجود أشكالا لا نهائية من المخلوقات، منها فقط من النمل 28 ألف نوع، ولم يظهر الانسان بعد لا يسوع ولا محمد (ص).
ثم ظهرت الديناصورات قبل 150 مليون سنة ثم انقرضت بمذنب ضرب الارض قبل 66 مليون سنة، ترك آثاره في خليج المكسيك الحالي، ولم يظهر بعد الانسان لا يسوع ولا محمد (ص) ثم سار التطور في دفع المخلوقات أمواجا أفواجا؛ حتى أطل الانسان برأسه في حالة مزرية أقرب إلى الحيوانات البدائية، يطارد الوحوش فيأكل الوحوش وتأكله الوحوش، حتى اهتدى قبل 10 آلاف سنة إلى الثورة الزراعية حين رحمته المرأة باكتشاف الشجرة والثمر، في حين كان الذكور يتذابحون ويقتل بعضهم بعضا بالهراوة والحجر كما في قصة قابيل وهابيل ولدي آدم..
عاش الانسان البدائي مئات الآلاف من السنوات أقرب إلى البهائم، ثم استعان بالنار التي اكتشفها للتحرك في الأرض؛ فبدأت الاعداد تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال.
وبدأ انتشار الانسان في الأرض؛ فدخل الشرق الأوسط قادما من شرق أفريقيا فدخل جزيرة الأعراب قبل 65 ألف سنة، واصطدم بنوع آخر من البشر عرف بإنسان نياندرتال فقضى عليه أجدادنا البواسل المجرمين، واستمر تدفق الانسان في الأرض حتى وصل إلى مضيق بهرنج، ثم قفز الى الأمريكيتين حتى وصل إلى جبل النار قبل 12 ألف سنة، حيث وصل ماجلان الكاثوليكي المتعصب؛ فعبر الى الباسفيك ليتقاتل مع أهل الجزر فيقتلوه!!
في هذه الرحلة الطويلة للإنسان المجرم القاتل الدموي، كان لا بد من حين لآخر أن يحدث ما يسمى بأدوات الصيانة كما هي في أي آلة وجهاز؛ فكان لا بد للآلة الاجتماعية من صيانة وتحسين؛ فجاء الأنبياء بالتعاليم الأخلاقية (لاتقتل . لاتسرق . لاتزني.. الخ ) لدفع الرحلة الانسانية باتجاه السلام والتفاهم، ولكن الحرب كانت أقوى؛ فلم تنفع تعاليم الأنبياء، وشن المسيحيون باسم الصليب أفظع الحملات الصليبية في تاريخ الإنسان لفترة 171 سنة في سبع حملات ضاريات، كلفت مقتل مائة مليون إنسان بتقديرات اليوم، كله باسم رسول السلام الذي كان ينادي أحبوا أعداءكم، صلوا لأجل الذين يسيئون اليكم؟ سبع حملات دموية ولمدة قرنين من أجل استرداد حجارة من قبر مزعوم ليسوع في فلسطين، ولم يكن المسلمون بأرشد فقاموا باجتياح الممالك تحت السيف الأموي، حتى وصلوا إلى فرنسا فارتدوا هناك على حواف جبال البيرنيه .
صديقي نور مونتريال أنت نشأت في عائلة مارونية مسيحية متدينة في لبنان، وأنا نشأت في عائلة سنية مسلمة غير متدينة، ووالدي لم يكن يصلي ولا حتى صلاة الجمعة، ولم يكن في بيتنا نسخة من القرآن الا النسخة التركية كانت تقرأه أمي ولم تفقه فيه قيلا.
والسؤال المزعج والصادم ولا يعترف به أحد أنه لو ولدت أنت في عائلة مسلمة وولدت أنا من عائلة كاثوليكية مارونية؛ لكنت أنا أنت، وأنت أنا، ولكنه أمر لا يراجعه أحد؟ جميل مثل هذا الحوار لكي يعرف كل منا القارة الفكرية التي يعيش فيها.




