تشير معطيات متقاطعة من وسائل إعلام عبرية إلى تحوّل لافت في النسق العملياتي للتحركات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، بما يوحي بأن واشنطن تقترب من عتبة أكثر حساسية في إدارة صراعها مع إيران.
فوفق ما أوردته صحيفة جيروزاليم بوست، فإن المؤسسة العسكرية الأميركية كثّفت من انتشارها في محيط الخليج، وسط تداول سيناريوهات تتجاوز الضغط غير المباشر نحو خيارات تدخل ميداني قد تعيد رسم معادلات الصراع.
وتتحدث هذه التقارير عن دراسة جدية داخل الدوائر الأميركية لإمكانية تنفيذ عملية إنزال تستهدف جزيرة جزيرة خارك، التي تمثل العقدة الأساسية في شبكة تصدير النفط الإيراني.
وتُوصف هذه الخطوة، في حال تنفيذها، بأنها ليست مجرد تحرك تكتيكي محدود، بل محاولة لإحداث اختراق استراتيجي يمس العمق الاقتصادي لطهران، عبر تعطيل شريانها النفطي الرئيسي.
مصادر مطلعة، لم يُكشف عن هويتها، أشارت إلى أن هذا الخيار بات مطروحاً ضمن سيناريوهات “قيد التفعيل”، خصوصاً مع استمرار التصعيد المتبادل. كما أُفيد بأن حلفاء واشنطن، وعلى رأسهم إسرائيل، تلقوا إشارات خلال الأيام الأخيرة بشأن جدية هذه التوجهات، في سياق إعادة ترتيب أولويات المواجهة.
ميدانياً، تعكس التحركات العسكرية الأميركية هذا المنحى التصاعدي، حيث جرى تسريع نشر وحدات من مشاة البحرية والقوات البحرية، ضمن تشكيلات برمائية متقدمة.
وتضم هذه التعزيزات السفينة يو إس إس بوكسر إلى جانب يو إس إس بورتلاند ويو إس إس كومستوك، وهي قوة قادرة على تنفيذ عمليات إنزال معقدة، وتضم آلاف الجنود المدربين على القتال في البيئات الساحلية عالية الحساسية.
الأهمية الاستثنائية لجزيرة خارك تنبع من كونها المنفذ الذي تمر عبره النسبة الأكبر من صادرات النفط الإيراني، لا سيما نحو الأسواق الآسيوية. ومن ثم، فإن السيطرة عليها – إن حدثت – قد تعني عملياً تضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني، مع تداعيات محتملة على توازنات سوق الطاقة العالمية.
غير أن هذا السيناريو، رغم ما يحمله من إغراء استراتيجي، ينطوي على مخاطر مركبة. فإيران، التي راكمت خبرة في امتصاص الضربات، تدرك أن استهداف منافذها النفطية يمثل تهديداً وجودياً، ما يرجح أن ردها لن يظل ضمن حدود الضبط التقليدي، بل قد يمتد إلى تهديد الملاحة البحرية أو استهداف القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة.
ويأتي هذا التصعيد في سياق مواجهة مستمرة منذ أسابيع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهي مواجهة اتسمت بتبادل الضربات الصاروخية واستخدام الطائرات المسيّرة، مخلفة خسائر بشرية ومادية معتبرة، ومؤسسة لمرحلة جديدة من الاشتباك غير المباشر.
في هذا الإطار، يبدو أن واشنطن تدرس الانتقال من سياسة الاحتواء عن بُعد إلى فرض وقائع ميدانية، عبر أدوات عسكرية مباشرة. غير أن هذا التحول، إن تم، قد يفتح الباب أمام ديناميات تصعيد يصعب التحكم في مآلاتها، خاصة في منطقة تتسم بحساسية جيوسياسية عالية.
بالموازاة مع ذلك، يتصدر ملف مضيق هرمز واجهة التوتر، باعتباره أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. فقد لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإجراءات حاسمة في حال استمرار تعطيل الملاحة، ما يضع المنطقة أمام اختبار حقيقي بين خيار الردع وخطر الانفجار الشامل.
على الضفة الأخرى، تكشف مواقف حلف شمال الأطلسي عن قدر من التردد، إذ أقر أمينه العام مارك روته بأن الحلفاء يحتاجون إلى مزيد من الوقت لتقييم المشهد، رغم تفهمه لضغوط واشنطن.
ويعكس هذا التريث تبايناً في تقدير المخاطر، بين من يدفع نحو تحرك سريع، ومن يفضل تجنب الانخراط في مواجهة مفتوحة.
في الأثناء، أصدرت عدة دول غربية، من بينها فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، مواقف مشتركة تدين التصعيد وتهديد أمن الملاحة، مع تأكيد استعدادها للمساهمة في حماية تدفقات الطاقة، دون التورط المباشر في عمليات عسكرية واسعة.
في المحصلة، تبدو جزيرة خارك اليوم أكثر من مجرد موقع جغرافي؛ إنها نقطة ارتكاز في معادلة صراع تتداخل فيها اعتبارات القوة والطاقة والاقتصاد.
وبين استعراض القوة واحتمالات الحسم، يظل السؤال مفتوحاً: هل تمضي واشنطن نحو فرض واقع جديد بالقوة، أم أن التصعيد الراهن لا يعدو كونه ورقة ضغط في مفاوضات لم تبدأ بعد؟




