آراءمنوعات
أخر الأخبار

تأملات.. في فلسفة الإمساك

وتتجلى هذه الفلسفة أعمق ما تتجلى في قدرتها على التحرر من صخب العالم الذي بات يتسلل إلى أدق تفاصيل حياتنا ويشتت جوهرنا الإنساني

عبدالله فضّول 

حين يغوص المرء في ماهية الصيام، تنكشف له فلسفة الإمساك بوصفها فعلاً وجودياً لا يكتفي بحرمان الجسد المادي، بل يمتد ليصبح قبضاً حازماً على زمام النفس التي كادت أن تذوب في سُعار الاستهلاك المحموم؛ فليس الإمساك هنا مجرد سكون سلبي أو عجز عن نيل المطلب، بل هو حركةٌ باطنية شجاعة تثبت أن الإنسان ليس مجرد صدىً لغرائزه العابرة، بل هو إرادة واعية تملك القدرة على وقف الاندفاع التلقائي نحو المادة والتحرر من أسر الحاجة.

إن هذا التكليف يتجاوز رتابة العادة التقليدية ليكون ممارسة نقدية تعيد بناء صلتنا بالعالم من حولنا، ففي زمنٍ يتسارع فيه الجري وراء الأشياء وتُختصر فيه قيمة الفرد بما يملك، يأتي الإمساك كوقفة احتجاجية كبرى تمنح المرء شرف أن يكون هو القائد لا المقود، وليكتشف من جديد تلك المسافة المنسية بين ما تمليه عليه ضغوط الآخر وبين ما يحتاجه حقاً لصون كرامة روحه واستقلال فكره.

وتتجلى هذه الفلسفة أعمق ما تتجلى في قدرتها على التحرر من صخب العالم الذي بات يتسلل إلى أدق تفاصيل حياتنا ويشتت جوهرنا الإنساني؛ فحين نُمسك بمحض اختيارنا عن المباح، فإننا نتدرب في الحقيقة على نوع من الاستغناء الواعي في مواجهة حمى التملك التي حوّلت الإنسان إلى مجرد وعاء لتكديس المقتنيات، وهذا الفعل هو الذي يمنحنا الجرأة لنكون أنفسنا، متفردين بعيداً عن مجاراة الجموع في عادات تفتقر للتدبر والوضوح، مما يحقق لنا انتقالاً جوهرياً من حالة الاستجابة الغريزية والمحاكاة الآلية، إلى حالة النظر المتأني والسكينة التي نستعيد بها التحكم في أغلى ما نملك من وقت وحواس وقرار مستقل لا يقبل الارتهان لغير إرادتنا.

إننا نعيش في مجتمع باتت تحكمه حمى المظاهر والنزوع إلى مسايرة الآخرين في كل شيء، حيث نركض خلف احتياجات وهمية غرسها نمط المعيشة المعاصر في أذهاننا، وحين نمسك عن رغباتنا بمحض اختيارنا، فإننا نكسر تلك القيود الخفية التي تفرضها علينا السلوكيات المعتادة.

فنحن نتدرب على الانعتاق من أسر الهواتف التي تسرق عقولنا وتجعلنا حاضرين بأجسادنا غائبين بأذهاننا، ونتعلم الترفع في مواجهة ثقافة التكديس التي جعلت من الأسواق محجاً ومن المقتنيات مقياساً للقيمة البشرية.

وهذا الامتناع هو فعل شجاع للخروج من دائرة التقليد الأعمى، يمنح المرء الجرأة ليكون نفسه بعيداً عن مجاراة الجموع في عاداتهم التي تفتقر للوعي والتدبر.

ومن هنا، يتحول الصيام من مجرد جهد بدني عابر إلى درس تربوي بليغ في صقل الشخصية الرزينة التي تعرف كيف تضبط بوصلتها وسط أمواج الحياة المتلاطمة وضغوطها المتزايدة؛ إذ تكمن القوة الحقيقية في هذا المنطق لا في القدرة على السيطرة على المتاع أو حيازة الأشياء، بل في تلك الملكة العظيمة على الترفع عنها والسيادة عليها. إن مسؤوليتنا اليوم تجاه الأجيال الصاعدة تكمن في غرس هذا المفهوم كأداة للتحرر، ليدركوا أن الامتلاء الحقيقي ينبع من الداخل لا من مظاهر الخارج.

ومع اقتراب لحظات الغروب، حين يهدأ الصخب وتتلاشى فورة الرغبات، ينقلب ذلك الإمساك المادي إلى صفاء ذهني شامل، يشبه تماماً سكينة البحر في أوج هدوئه حين تتوقف الأمواج عن الاضطراب لتظهر اللآلئ في أعماقه بوضوح تام؛ لتتجلى الحقيقة الكبرى بأن قيمة الإنسان لا تُقاس أبداً بما يستهلكه أو يجمعه، بل بما يملك الشجاعة والأنفة للإمساك عنه، ضماناً لوجودٍ حر، مستقل، وواعٍ بآفاقه.

https://anbaaexpress.ma/t8krg

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى