منير لكماني – ألمانيا
هجرة الكفاءات بين الحاجة والإستنزاف
لم تعد الهجرة المهنية بين المغرب وألمانيا مجرد مسار فردي للبحث عن فرصة أفضل، بل أضحت عنوانا لإختلال أعمق في العلاقة بين الشمال الباحث عن اليد العاملة، والجنوب الذي يواصل دفع كلفة تكوين موارده البشرية ثم يراها تغادر.
فألمانيا، التي تواجه نقصا متزايدا في العمالة المؤهلة، تنظر إلى المغرب بوصفه خزانا بشريا مهما يمكن أن يمد قطاعاتها الحيوية بما تحتاج إليه من ممرضين ومهندسين وتقنيين وعمال مهرة.
غير أن هذه المعادلة، في وجهها الآخر، تعني بالنسبة إلى المغرب استنزافا متواصلا لكفاءات راكمها بتكلفة اجتماعية وتعليمية مرتفعة، ليجني غيره ثمارها في النهاية.
وليس في الأمر ما يثير الإعتراض من حيث المبدأ، فتنقل الكفاءات حق مشروع، والهجرة المهنية قد تكون رافعة للتجربة الفردية ولمستوى العيش، كما قد تتيح نقل الخبرة والمعرفة.
لكن الإشكال يبدأ حين تتحول هذه الهجرة إلى مسار غير متكافئ، يستجيب بالكامل لحاجات بلد الإستقبال، فيما يترك بلد المنشأ في مواجهة خسارة مركبة: فقدان الكفاءات من جهة، وتآكل قدرته على ضمان الحد الأدنى من التوازن في قطاعاته الحيوية من جهة ثانية.
إختلال الشراكة من الأصل
المشكلة الأساسية ليست في وجود تعاون مغربي ألماني في مجال الهجرة المهنية، بل في طبيعة هذا التعاون نفسه. فحين تكون القواعد، والمعايير، وآليات الإعتراف، وشروط الإدماج خاضعة في الغالب لمنطق الطرف الأقوى، فإن الحديث عن شراكة متوازنة يصبح أقرب إلى المجاملة السياسية منه إلى الواقع.
فالمغرب حاضر كمصدر للكفاءات، لكنه أقل حضورا حين يتعلق الأمر بالتأثير في شروط التأهيل أو في ضمانات الحماية أو في تصور برامج العودة والإستفادة المتبادلة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام شراكة تنموية فعلا، أم أمام آلية منظمةلإستقطاب الكفاءات من الجنوب نحو الشمال؟ فحين ينظر إلى الطبيب أو الممرض أو التقني المغربي فقط من زاوية الخصاص الألماني، دون إعتبار لحجم الخصاص الذي يتركه خلفه في بلده، فإن الخلل لا يكون إداريا فحسب، بل أخلاقيا وتنمويا أيضا.
ذلك أن المغرب لا يصدر سلعة، بل يخسر جزءا من رأسماله البشري الذي يحتاج إليه في معاركه الداخلية مع الهشاشة وضعف الخدمات العمومية.
البيروقراطية التي تفرغ القوانين من معناها
المفارقة أن ألمانيا، رغم حاجتها المعلنة والملحة إلى اليد العاملة المؤهلة، لا تزال تخضع هذا المسار لقدر كبير من التعقيد الإداري. فالقوانين التي تقدم بإعتبارها آليات للتيسير تصطدم، على الأرض، بمساطر طويلة، وبتعدد المتدخلين، وبطء الإعتراف بالمؤهلات، وتأخر التأشيرات، وضعف التنسيق بين المؤسسات.
وهكذا تصبح البيروقراطية جدارا يفصل بين الخطاب السياسي الذي يرحب بالكفاءات، والواقع الإداري الذي يرهقها ويدفع بعضها إلى العدول أو البحث عن وجهات أكثر مرونة.
وهذا التناقض يضر بالطرفين معا. فهو يربك الشركات الألمانية التي تحتاج إلى التوظيف السريع، ويضعف جاذبية السوق الألمانية لدى الكفاءات المغربية، كما يرسخ لدى كثيرين شعورا بأن الهجرة إلى ألمانيا ليست فقط مشروعا مهنيا، بل إمتحانا طويلا للأعصاب. وفي عالم تتنافس فيه الدول على إستقطاب المهارات، لا يكفي أن تفتح الباب نظريا، بل ينبغي أن تجعل العبور إليه ممكناً وشفافا وعادلا.
المغرب بين التحويلات وخسارة المستقبل
في المقابل، لا يبدو المغرب دائما حاسما في مقاربته لهذا الملف. فصحيح أن تحويلات المهاجرين تمثل موردا مهما للإقتصاد الوطني، لكن التعويل المفرط على هذه التحويلات قد يحجب سؤالا أكثر إلحاحا: ما كلفة فقدان الكفاءات على المدى البعيد؟ فالبلد الذي يخسر أطباءه ومهندسيه وتقنييه لا يعوض ذلك بسهولة، خصوصا حين تكون حاجته إليهم داخلية وملحة.
المطلوب هنا ليس الإنغلاق، ولا مصادرة حق الأفراد في الهجرة، بل بناء سياسة أكثر ذكاء وجرأة. سياسة تجعل من الهجرة المهنية جزءا من رؤية وطنية شاملة، لا مجرد إستجابة ظرفية لسوق خارجية.
وهذا يقتضي التفاوض على أسس أوضح، وربط التعاون بآليات للتكوين المشترك، والدعم القطاعي، وبرامج العودة، ونقل الخبرة، حتى لا يكون المغرب مجرد مزود صامت للكفاءات.
نحو شراكة عادلة لا سوق مفتوحة
الهجرة المهنية بين المغرب وألمانيا يمكن أن تكون فرصة حقيقية للطرفين، لكنها لن تصبح كذلك ما لم تبن على قدر أكبر من التوازن والوضوح والإنصاف. فألمانيا مطالبة بتجاوز تناقضها بين الحاجة إلى الكفاءات والإبقاء على متاهة إدارية تعطل إستقطابها، والمغرب مطالب بدوره بأن يدافع عن مصالحه البشرية بنفس الجدية التي يدافع بها عن مصالحه الإقتصادية.
إن الكفاءات ليست فائضا يمكن التفريط فيه بلا حساب، بل هي رصيد إستراتيجي في أي مشروع تنموي. ومن ثم، فإن السؤال اليوم ليس كيف نسهل الهجرة فقط، بل كيف نجعلها عادلة، متوازنة، ومفيدة للطرفين، بدل أن تكون مجرد قناة أخرى لإنتقال القيمة من الجنوب إلى الشمال.




