بعد أن تناولنا في الجزء الأول، تحت عنوان “حرب الشرق الأوسط.. هل تقود إلى زلزال اقتصادي عالمي؟“، التداعيات الاقتصادية العالمية للحرب في الشرق الأوسط، ننتقل في هذا الجزء إلى بحث تأثيراتها المحتملة على التوازنات الجيوسياسية في منطقة المغرب الكبير.
إذ نتوقف هنا عند انعكاسات هذه الحرب على توازنات المنطقة، خصوصاً في ما يتعلق بالطاقة والنفوذ الإقليمي ومشاريع الربط الاستراتيجي.
مع تصاعد المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط، بدأت تداعياتها تتجاوز حدود الإقليم لتطرح تساؤلات جدية حول تأثيراتها المحتملة على مناطق أخرى، وعلى رأسها المغرب الكبير.
فهذه المنطقة، التي تعيش أصلاً على وقع تنافسات جيوسياسية حادة وتوازنات دقيقة، قد تجد نفسها أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأوراق، سواء على مستوى الطاقة أو النفوذ الإقليمي أو طرق التجارة.
ورغم أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يبدو في الظاهر فرصة لبعض الدول المصدرة للغاز والنفط، إلا أن الواقع الجيوسياسي والاقتصادي في شمال أفريقيا يشير إلى صورة أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالجزائر وموقعها في المعادلة الإقليمية.
المغرب: تعزز الدور الأطلسي واللوجستي
في حال استمرار التوتر في الشرق الأوسط وتأثر طرق الطاقة التقليدية، قد يزداد اهتمام أوروبا بتعزيز الممرات الاقتصادية والتجارية البديلة عبر الواجهة الأطلسية لأفريقيا.
في هذا السياق، يبرز المغرب كأحد الفاعلين الإقليميين القادرين على الاستفادة من التحولات الجارية، وذلك لعدة اعتبارات:
• موقعه الجغرافي الاستراتيجي بين أوروبا وأفريقيا.
• بنيته التحتية اللوجستية المتقدمة، خاصة الموانئ الكبرى مثل طنجة المتوسط.
• استقراره السياسي مقارنة بعدد من مناطق الجوار.
• انخراطه في مشاريع ربط اقتصادية وطاقة مع غرب أفريقيا.
هذه العوامل تجعل المغرب مرشحاً لتعزيز موقعه كمحور لوجستي واقتصادي في الفضاء الأطلسي الأفريقي، خاصة في ظل البحث الأوروبي المتزايد عن تنويع طرق الإمداد والتجارة.
الجزائر: فرصة طاقية محدودة بسبب اختلالات بنيوية
في المقابل، قد يبدو ارتفاع أسعار الطاقة فرصة للجزائر بوصفها أحد أبرز موردي الغاز إلى أوروبا. غير أن هذه الفرصة تبقى محدودة بفعل الأزمة البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد الجزائري.
فالاقتصاد الجزائري ما يزال يعتمد بشكل شبه كامل على عائدات المحروقات، مع ضعف في التنويع الاقتصادي وتحديات في تحديث البنية التحتية الطاقية.
كما أن القدرة الإنتاجية للقطاع النفطي والغازي لا تشهد توسعاً كبيراً يسمح بزيادة الصادرات بشكل سريع لتعويض أي اضطراب عالمي كبير في الإمدادات.
وبالتالي، فإن ارتفاع الأسعار قد يمنح الجزائر مداخيل إضافية على المدى القصير، لكنه لا يغير بالضرورة من واقع القيود البنيوية التي تحد من قدرتها على تحويل هذه العائدات إلى نفوذ اقتصادي أو استراتيجي طويل الأمد.
معركة خطوط الغاز: واقعية المشروع المغربي مقابل تعقيدات المشروع الجزائري
أحد أبرز مظاهر التنافس الطاقي في المنطقة يتمثل في مشاريع أنابيب الغاز العابرة لأفريقيا.
الجزائر تراهن منذ سنوات على مشروع أنبوب الغاز الذي يربطها بنيجيريا عبر الصحراء الكبرى. غير أن هذا المشروع يواجه تحديات كبيرة، أبرزها:
• التكلفة المالية الضخمة.
• المسافات الطويلة التي يقطعها الأنبوب عبر مناطق صحراوية شاسعة.
• الهشاشة الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، حيث تنشط جماعات مسلحة وشبكات تهريب.
هذه المعطيات تجعل تنفيذ المشروع محفوفاً بدرجة عالية من المخاطر السياسية والأمنية والمالية.
في المقابل، يبرز المشروع الذي يربط نيجيريا بغرب أفريقيا وصولاً إلى المغرب باعتباره أكثر واقعية من الناحية الجيوسياسية والاقتصادية.
فالمسار المقترح يمر عبر دول الساحل الأطلسي لغرب أفريقيا، وهي مناطق أكثر استقراراً نسبياً من حزام الساحل المضطرب، كما أنه يستند إلى ممرات بحرية وبرية أكثر أمناً.
إضافة إلى ذلك، فإن هذا المشروع لا يقتصر على نقل الغاز فحسب، بل يُنظر إليه كرافعة للتكامل الاقتصادي بين دول غرب أفريقيا وربطها بالسوق الأوروبية عبر المغرب.
الساحل والصحراء: عامل عدم الاستقرار
يشكل الوضع الأمني في منطقة الساحل عاملاً حاسماً في تقييم جدوى مشاريع الطاقة الكبرى.
فهذه المنطقة تشهد منذ سنوات تصاعداً في نشاط الجماعات المسلحة وتراجعاً في قدرة الدول على فرض السيطرة الأمنية الكاملة على أراضيها.
وبالتالي، فإن أي مشروع بنية تحتية يمر عبر هذا الحزام الجغرافي يظل معرضاً لمخاطر أمنية مرتفعة قد تؤثر على تنفيذه أو استمراريته.
وهذا ما يجعل مشاريع الطاقة التي تعتمد على الممر الأطلسي لغرب أفريقيا تبدو أكثر قابلية للتنفيذ مقارنة بالمشاريع العابرة للصحراء.
إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية
في المحصلة، قد تساهم الحرب في الشرق الأوسط في تسريع بعض التحولات الاستراتيجية في منطقة المغرب الكبير، لكن تأثيرها لن يكون متماثلاً بين دول المنطقة.
فبينما قد يعزز المغرب موقعه كفاعل لوجستي وطاقي ضمن الفضاء الأطلسي الأفريقي، تبقى قدرة الجزائر على تحويل ارتفاع أسعار الطاقة إلى مكاسب استراتيجية طويلة الأمد مرتبطة بمدى قدرتها على معالجة الاختلالات البنيوية في اقتصادها وتطوير بنيتها الطاقية.
وفي ظل بيئة إقليمية تتسم بعدم الاستقرار في منطقة الساحل، فإن مستقبل مشاريع الطاقة الكبرى في شمال وغرب أفريقيا سيظل مرتبطاً قبل كل شيء بمعادلة الأمن والاستقرار الجيوسياسي.




