آراء
أخر الأخبار

يوم القيامة النووية

تحديث وتطوير الأسلحة الذرية

في عام 1979م تلقت القيادة الأمريكية للدفاع الجوي (North American Air Defense Command) تحذيرا أن السماء تمطر بالصواريخ النووية. لكن لم يكن ثمة جواب أمريكي فوري في التصدي للهجوم، وكان السبب لايصدق أن الكمبيوترات التي تعمل على تشغيل السيلو(Silo) المخابيء النووية كانت لحسن من طراز (IBM) العتيقة من سبعينات القرن المنصرم. لحسن الحظ.

تكرر الهجوم الكاذب من جديد عام 1980م وتبين كذبه، ولكن هذه تذكر بقصة الراعي الكذاب؛ ففي القصص الشعبية أراد الراعي تخويف أهل القرية فصرخ أن ذئبا يفترس الغنم؛ فهرع أهل القرية للنجدة؛ ليتبينوا كذب الراعي مع قهقهاته المرتفعة على سذاجة أهل القرية، ولكن حين جاء الذئب فعلا؛ لم تجدي صرخاته شيئا، على الرغم من ارتفاعها وتكرارها، وأحيط به فخسر الغنم والسمعة.

وبناء على هذه القصة فعندنا قصة أمتع للتندر حين أطلق أوباما شعاره عام 2009 م عن (عالم خال من الأسلحة النووية = Atom weapons free World) والتي تم تصديقها عام 2010م مع روسيا، ولكن ماكان يجري في الخفاء أمر مختلف؛ فقد أوعز إلى الترسانة النووية بالتجديد والتطوير الشاملين لكل مرافقها! بالتأكيد كان أوباما يفكر بقصة الراعي الكذاب، فأن يتكرر التحذير الكاذب لن يكون كاذبا دوما.

يقول المثل العامي: مو كالمرة تسلم الجرة (ليس دوما تسلم جرة الفخار إن سقطت على الأرض ولو نجت من سقطة واحدة). في الحقيقة القصص الشعبية والأمثلة مفيدة لأنها تحمل عمق الخبرة الإنسانية عبر العصور.

وفي الوقت الذي اجتمعت 130 دولة في الأمم المتحدة من أصل 196 دولة معترف بها لدراسة الورطة النووية التي يعيشها الجنس البشري؛ فقد خصصت أمريكا 1200 مليار دولار (1,2 تريليون) لتحديث الترسانة النووية حتى عام 2050م!

وحاليا تملك روسيا 7000 رأس نووي ماهو منها جاهز للضرب 1740 رأس، أما أمريكا فمخزونها 6800 رأسا نوويا الجاهز منها ليوم القيامة النووية 1950 رأسا بالتمام والكمال. وهو يعني إن قدح الزناد فكانت السماء وردة كالدهان؛ أن تنتهي الحضارة في ساعات معدودات، والعودة إلى العصر الحجري إن بقي ثمة حجارة. لأن مصيبة تشرنوبل في روسيا والآخرى في اليابان تقول أن التلوث البيئي يبقى أحقابا.

فإن ارتكب الجنس البشري هذه الحماقة فسوف تكون الأرض غير صالحة للسكن إلا لصنفين مقاومين الأشعة النووية الأعشاب والصراصير وبدرجة أقل العقارب. وكما جاء في سورة الأنبياء كما بدأنا أول خلق نعيده. وعدا علينا إن كنا فاعلين.

وقصة العقارب وتحملها الأشعة النووية لها قصة ممتعة جدا؛ فحين جربت فرنسا سلاحها النووي في الصحراء الجزائرية في 13 فبراير من عام 1960م نجا عقرب الصحراء من النار والانفجار مما دفع العلماء لدراسته ليصلوا إلى معلومات عجيبة فهو يمتاز بصفات لايكاد يصدقها الانسان، فالعقرب (اللدَّاغ) منحنا الكثير من الدروس الملهمة والحكم القيمة.

1- أولاً: فهذا العقرب الذي يصل طوله الى حوالي عشرين سنتيمتر ، لايجاريه في صومه وزهده ولافقراء الهنود المستلقين على المسامير الحادة لفترةٍ الطويلة ، كما لايصل الى تحمله في الحرمان من الطعام والشراب أشد النساك ، ولاأكثر من يمارس الصيام ، فهو يستطيع أن يتابع صومه لمدة ثلاث سنوات كاملة بدون طعام أو شراب

2- ثانياً: كما أنه يستطيع كتم أنفاسه تحت الماء متربصاً هادئاً بدون أي أكسجين لمدة يومين بالكامل ؟!!

3- ثالثاً: واذا غطس في الثلاجة في درجة الحرارة تحت الصفر أو نقل بعدها الى درجة حرارة الصحراء ذات الستين درجة، فإنه يحافظ على حيويته ويستطيع الارتكاس بنفس السرعة فيقفز للدغ والدفاع ، فهو يتكيف بشكل مدهش مع كل التبدلات المريعة في درجة الحرارة.

4- رابعاً: واذا وضع في حمام من الجراثيم ذات الذيافين الفظيعة التي تنهك الانسان وتورثه المرض فانه يَمُرُّ بها، كما لو كان يأخذ حماماً لطيفاً ، بدون أي مرض أو عطب، ولايتأثر بدنه البتة.

5- خامساً: وأما تحمله لجرعة الاشعاع النووي فهي تصل الى ثلاثمائة ضعف (300) من الكمية السمية القاتلة من الاشعاع، تلك التي يقضي الانسان بها نحبه، ويصبح بعدها رميم. ويعود الفضل في مقاومته للاشعة النووية الى أن مايدور في أحشائه ليس دما أحمرا كالذي نملكه نحن بني الانسان، بل أن مايجري في عروقه هو عصير (مصل) أصفر يقوم بدور أساسي في ترميم الخلايا المُدَمَّرة من الاشعاع النووي، ويبدو أن هذه الخاصية الدفاعية قد تشكلت عنده منذ فترة طويلة، فهو كائن يعيش على الأرض منذ حوالي خمسمائة مليون سنة (نصف مليار سنة)، ويبدو أن هذه الفترة السحيقة التي عاشها وهو يواجه كل أنواع الاشعاعات الكونية طورت فيه جهازاً دفاعياً متميزاً.

وتمت التجربة على الجرذان بحقنها بـ (سيروم) العقرب المُخَفَّف والمُعَدَّل، ثم عُرِّضَتْ للأشعة النووية فارتفعت عندها المقاومة بشكل هائل وبسرعة. ويتفق الباحثون المتخصصون في (العقارب) اليوم أن كلَ السرِ مختبيءٌ في التركيب الجيني له، ولذا فان فك هذا السر في مدى السنوات القادمة سوف يقفز باتجاه حل هذا اللغز، خاصةً بعد تجاوز الحرب الباردة وكثرة استخدام الطاقة في الأغراض السلمية، فيمكن تطوير لقاح خاص، لايقدر بثمن لحماية العاملين في المؤسسات النووية.

وحين نتحدث عن تحديث الترسانة عند اليانكي فقد أعلن بوطين أمام العسكر منذ ديسمبر 2016م عن عقيدة قتالية جديدة؛ فلن تقف روسيا مكتوفة الأيدي حال تهديدها بل ستعمد إلى الضرب بالعصا النووية (يجب أن نقوي جاهزية الأسلحة الذرية خاصة الصواريخ التي يجب أن تتجاوز كل نظام دفاعي) وقال أمام الصحفيين أن القوم عندكم ليس عندهم الشعور بالخطر في لعبتهم هذه.

روسيا حركت صواريخ الاسكندر (Iskander) للتدريب في كالينجراد، وفي قدرتها الوصول إلى غرب بولندا، وفي حال زحفها على دول البلطيق الثلاث في 36 ـ 60 ساعة فلن يكون ثمة من يوقف زحفها حتى ريجا (Riga) وتالين (Tallinn) وفيلينوس (Vilnius) في لاتفيا واستونيا وليتوانيا.

وكما يقول الخبير آدم ماونت (Adam Mount) من مركز التمنية الأمريكية في مركز التفكير (American Center for Progress Washington Think-tank) في واشنطن.

فإن يستخدم الردع النووي ولو بقنابل محكمة التصويب فسيكون أذاها هائلا للمدنيين أما ضرب المناطق الروسية فهو يعني التصعيد النووي، ولذا فكل السيناريوهات التي تصورها ليست ذات معنى أمام الاجتياح الروسي لأنقاذ دول البلطيق الصغيرة الضعيفة، بجنب الدب الروسي الجائع النهم.

ليس بوطين قوالا بل فعالا كما هي عادته في تهشيم غروزني والشيشان وحلب وحوران، وأخيرا أوكرانيا؛ فقد حرك ثلاث غواصات من نوع بوراي (Borei) مزودة بصواريخ عابرة للقارات ستتبعها خمس أخريات.

وهناك مركز توبوليف لإنتاج الطيارات لا ترصدها الرادارات، وهناك رؤوس نووية من نوع سارمات (Sarmat) تحمل 24 رأسا نوويا تقفز فوق الرؤوس بسرعة تزيد عن سرعة الصوت أضعافا مضاعفة فلا يصيدها نظام دفاعي ولا يراها إنس ولا جان إلا كالخيال المجنح.

يقول أيفو دالدير (Ivo Daalder) مدير مركز تفكير مستقل لمجلس شيكاغو في القضايا العالمية وسفير أمريكا السابق في الأمم المتحدة الروس يحركون قاذفات القنابل النووية حتى بحر الشمال، والغواصات تغادر ميناء مورمانسك (Murmansk) كما كان الحال أيام الحرب الباردة مع صواريخ بيرشنج في وجه اس اس عشرين (SS20) وهو مايؤجج فكرة العقيدة القتالية عند الروس أنه يمكن خوض حرب نووية والانتصار فيها.

إذا صحت الأخبار التي رشحت من فبراير 2017م من تحريك روسيا صواريخ اس اس سي ثمانية (SSC-8) وهي صواريخ متوسطة المدى فتكون روسيا قد خالفت اتفاقية آي إن اف (INF) التي حرمت استخدام الصواريخ متوسطة المدة وأنهت الحرب الباردة عام 1987م.

وبذلك نكون قد دخلنا عصرا نوويا جديدا اختلت فيه رافعة وقانون الردع المتبادل ماعرف بماد (MAD= Mutual assured destruction).

https://anbaaexpress.ma/czaix

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى