تقاريرسياسة
أخر الأخبار

“نموذج جبل طارق” تحت المجهر المغربي.. هل تقترب سبتة ومليلية من سيناريو جديد؟

تبدو الرباط منخرطة في قراءة هادئة ولكن دقيقة لهذه التطورات. فبالنسبة لصناع القرار المغاربة، لا يتعلق الأمر فقط باتفاق تقني بين دولتين أوروبيتين، بل بإشارة سياسية يمكن أن تحمل دلالات أوسع.

في خطوة تحمل أبعادا تتجاوز الطابع التقني الظاهر، تتجه إسبانيا وبريطانيا إلى تفعيل الاتفاق الجديد بشأن جبل طارق بشكل مؤقت ابتداءً من أبريل المقبل، في تحول يوصف داخل مدريد بأنه نقطة انعطاف في إدارة واحد من أكثر الملفات تعقيداً في غرب المتوسط.

غير أن هذا التحول لا يُقرأ فقط في سياقه الثنائي بين مدريد ولندن، بل يثير نقاشاً أوسع يمتد إلى الضفة الجنوبية للمضيق، حيث تتابع الرباط تداعيات ما يمكن تسميته بـ”النموذج الجبلطارقي” وانعكاساته المحتملة على ملفات سيادية عالقة.

الاتفاق، الذي يأتي في سياق إعادة ترتيب العلاقات الحدودية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يقوم على فكرة أساسية تتمثل في إزالة الحواجز المادية التي كانت تفصل بين الأراضي الإسبانية والمنطقة البريطانية، مقابل إدماج جبل طارق ضمن الفضاء الأمني لمنطقة منطقة شنغن.

هذا التحول يمنح إسبانيا دوراً محورياً في مراقبة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي داخل الميناء والمطار المحليين، عبر انتشار عناصر من الشرطة الوطنية والحرس المدني.

من الناحية الرسمية، تبرر مدريد هذه الخطوة بضرورات الأمن الجماعي الأوروبي وضبط تدفقات العبور، خاصة في منطقة تُعد من أكثر النقاط حساسية من حيث الهجرة والتجارة.

كما تراهن الحكومة الإسبانية على أن يؤدي الاتفاق إلى تنشيط الاقتصاد المحلي في محيط كامبو دي جبل طارق، حيث يعتمد آلاف العمال على التنقل اليومي نحو الصخرة، ما يجعل انسيابية الحركة مسألة حيوية لاستقرار المنطقة اجتماعياً واقتصادياً.

غير أن البعد الأكثر إثارة للجدل لا يكمن في إزالة السياج أو تسهيل العبور، بل في الطبيعة القانونية والسياسية للدور الأمني الإسباني داخل إقليم ذي وضع خاص.

فإسناد مهام مراقبة الحدود لقوات إسبانية داخل منطقة خاضعة للسيادة البريطانية يطرح أسئلة حول حدود المرونة الأوروبية في التعاطي مع قضايا السيادة المركبة، ويعيد فتح النقاش حول إمكانية استنساخ مثل هذه الترتيبات في سياقات أخرى.

في هذا الإطار، تبدو الرباط منخرطة في قراءة هادئة ولكن دقيقة لهذه التطورات. فبالنسبة لصناع القرار المغاربة، لا يتعلق الأمر فقط باتفاق تقني بين دولتين أوروبيتين، بل بإشارة سياسية يمكن أن تحمل دلالات أوسع.

إذ أن قبول الاتحاد الأوروبي بترتيب أمني يمنح دولة عضواً دوراً مباشراً داخل إقليم متنازع عليه تاريخياً، قد يفسر كمرونة مؤسساتية قابلة للتوظيف في ملفات أخرى، وعلى رأسها مدينتا سبتة ومليلية.

هذه القراءة لا تنفصل عن السياق الجيوسياسي الأوسع الذي يتحرك فيه المغرب، حيث يشكل مضيق جبل طارق فضاءً استراتيجياً حيوياً، ليس فقط من زاوية الأمن، بل أيضاً من حيث التنافس الاقتصادي.

فالموانئ المغربية الكبرى، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط، باتت لاعباً مركزياً في حركة التجارة العالمية، ما يجعل أي إعادة ترتيب في الضفة الشمالية للمضيق ذات تأثير مباشر على توازنات النقل البحري والتدفقات اللوجستية.

في المقابل، لا يخلو المشهد الإسباني من تباينات داخلية. فقد عبرت أطراف سياسية، خاصة من التيار المحافظ، عن مخاوفها من أن يشكل الاتفاق سابقة يمكن أن تستثمر مستقبلاً من قبل المغرب في أي نقاش حول مستقبل المدينتين الواقعتين شمال المملكة.

هذا القلق يعكس وعياً داخل بعض الأوساط الإسبانية بأن منطق “الحلول المرنة” في القضايا السيادية قد لا يبقى محصوراً في حالة جبل طارق.

بالتوازي مع هذا التوتر الضمني، تستمر قنوات التعاون المغربي-الإسباني في العمل بوتيرة مختلفة، خصوصاً في المشاريع الاستراتيجية المرتبطة بالبنية التحتية والربط القاري.

ويبرز في هذا السياق مشروع النفق البحري بين أوروبا وإفريقيا، الذي عاد إلى الواجهة عبر اتفاقيات تقنية حديثة، كدليل على أن منطق الشراكة الاقتصادية لا يزال قادراً على التعايش مع تعقيدات الملفات السياسية.

ولا يمكن اختزال اتفاق جبل طارق في كونه ترتيبا حدودياً جديداً، بل هو جزء من دينامية أوسع تعكس تحولات في كيفية إدارة القضايا السيادية داخل الفضاء الأوروبي.

وبينما تسعى مدريد إلى تقديمه كنموذج للتعاون العملي، تراه الرباط فرصة لقراءة موازين القوى من زاوية مختلفة، حيث تتحول السوابق القانونية إلى أدوات محتملة في معارك التفاوض المستقبلية.

وبين من يعتبره حلا براغماتياً لتجاوز إرث تاريخي معقد، ومن يراه مدخلا لإعادة تعريف مفاهيم السيادة في القرن الحادي والعشرين، يبقى هذا الاتفاق مؤشراً على أن منطقة المضيق لم تعد مجرد معبر جغرافي، بل مختبراً حقيقياً لإعادة صياغة العلاقات بين الدول في زمن تتقاطع فيه الجغرافيا مع السياسة والاقتصاد بشكل غير مسبوق.

https://anbaaexpress.ma/511dm

عبد الحي كريط

باحث وكاتب مغربي، مهتم بالشأن الإسباني، مدير نشر أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى