حين تفقد القوى قدرتها على إقناع العالم بعدالة سرديتها، تلجأ إلى إقناعه بضجيج سلاحها، وكأن الصوت الأعلى قادر على ترميم الشك المتسلل إلى داخلها.
ما يجري اليوم بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع سرديات متعبة، تحاول كل واحدة منها أن تخفي خوفها العميق من لحظة التحول التاريخي.
الولايات المتحدة لم تعد تتحرك بوصفها إمبراطورية مطلقة الثقة، بل قوة قلقة من تآكل هيبتها في عالم يتغير. الضربة لم تكن فقط رسالة ردع لإيران، بل رسالة إلى العالم بأن واشنطن ما زالت قادرة على الإمساك بخيوط المنطقة.
غير أن الإمبراطوريات حين تبدأ في الدفاع عن صورتها أكثر من دفاعها عن مصالحها، تكون قد دخلت مرحلة الحساسية المفرطة، تلك المرحلة التي سبقت أفول قوى كبرى عبر التاريخ. ليست المشكلة في امتلاك القوة، بل في الخوف من فقدانها.
أما إسرائيل، فهي تعيش مأزق الهوية قبل مأزق الأمن الكيان الذي تأسس على فكرة “التهديد الوجودي الدائم” يحتاج دائمًا إلى عدو يعيد تعريف ذاته. كلما تراجعت صورة الخطر، تراجعت لحمة الداخل.
لذلك فإن التصعيد ليس فقط ضرورة استراتيجية، بل ضرورة نفسية أيضا. مجتمع منقسم سياسيا، يعيش توترا داخليا حادا، يجد في المواجهة الخارجية وسيلة لتأجيل أسئلته الكبرى.
الحديث عن “إرهاصات زوال” لا ينبغي أن يقرأ كشعار عاطفي، بل كسؤال بنيوي.. هل تستطيع دولة قائمة على فكرة التفوق الدائم أن تتكيف مع عالم نسبي، متعدد الأقطاب، تتآكل فيه الامتيازات القديمة؟
إيران بدورها ليست استثناء من هذا القلق التاريخي. مشروعها الإقليمي يقوم على سردية المقاومة والندية، لكنه يحمل في عمقه رغبة في الاعتراف والمكانة. هي ليست مجرد ضحية اعتداء، ولا مجرد قوة توسعية، بل مزيج معقد من الشعور بالحصار والرغبة في تثبيت النفوذ.
ردها محسوب، لا لأنها مسالمة، بل لأنها تدرك حدود قدرتها. وهنا تتجلى مفارقة المنطقةط، كل الأطراف تتحدث بلغة الحسم، لكنها تتحرك بمنطق إدارة الخطر لا خوض معركة نهائية.
غير أن أخطر ما في المشهد ليس تبادل الضربات، بل البنية النفسية العربية التي تراقب العرب اليوم ليسوا كتلة واحدة، لكنهم يشتركون في قلق مزمن.. الخوف من الفوضى، الخوف من الهيمنة الإيرانية، الخوف من الانفجار الداخلي، والخوف من فقدان الحماية الدولية.
هذا التراكم من المخاوف يصنع سياسات دفاعية قصيرة النفس، تُشبه إلى حد بعيد ما عاشته الأندلس في أواخر عهدها، حين انشغل ملوك الطوائف بتوازناتهم الضيقة، غير مدركين أن الخطر الحقيقي كان في غياب مشروع جامع، لا في قوة الخصم وحده.
إسقاط الأندلس هنا ليس حنينا تاريخيا، بل قراءة لآلية السقوط، حين تفقد الجماعة قدرتها على تعريف نفسها خارج معادلات الآخرين، تتحول إلى ساحة لا إلى لاعب.
اليوم تتشكل خرائط النفوذ في المنطقة، فيما العواصم العربية تتأرجح بين التحالف والحياد، بين الصمت والقلق، دون صياغة رؤية مستقلة للمستقبل. ليست المشكلة في التحالفات بحد ذاتها، بل في غياب تصور ذاتي للمنطقة خارج ثنائية التبعية أو المواجهة.
إن “نطحة فارس الأخيرة” قد لا تكون الأخيرة فعلا لكنها تكشف أن الجميع يشعر بأن الأرض تتحرك تحت قدميه. إسرائيل تخشى فقدان تفوقها الرمزي، إيران تخشى احتواء مشروعها، الولايات المتحدة تخشى انزلاقا لا تملك رفاه كلفته، والعرب يخشون أن يكونوا مرة أخرى ساحة تصفية حسابات.
التاريخ لا يسقط الكيانات فجأة، بل يبدأ بتآكل معناها الداخلي. روما لم تهزم في معركة واحدة، بل تآكلت من الداخل قبل أن تنهار حدودها. والاتحاد السوفياتي لم يسقط بسبب حرب مباشرة، بل بسبب اختلال توازناته البنيوية. المنطقة اليوم تقف على عتبة مرحلة مشابهة من إعادة التشكل، حيث لا أحد يملك يقين الاستمرار كما كان.
المسافة الواحدة من الجميع لا تعني برودة أخلاقية، بل تعني الاعتراف بأن كل مشروع قوة يحمل في داخله بذور هشاشته من يراهن على السلاح وحده يستهلك شرعيته، ومن يراهن على الأيديولوجيا وحدها يصطدم بحدود الواقع، ومن يراهن على الحماية الخارجية يفقد تدريجيًا قراره.
القضية ليست من سيكسب جولة عسكرية، بل من سينجح في إعادة تعريف نفسه خارج منطق الخوف. فالأمم لا تسقط فقط حين تهزم، بل حين تعجز عن تخيل مستقبلها بوعي مستقل. والشرق الأوسط اليوم يعيش لحظة اختبار وجودي، لا بين قوى متحاربة فحسب، بل بين سرديات تتصارع على معنى البقاء نفسه.




