د. منصور أبو كريم – رام الله
على مدى سنوات، بنت إيران استراتيجيتها الإقليمية على مفهوم يمكن تسميته بـ“الدفاع عن المركز عبر الأطراف”، جوهر هذه الاستراتيجية يقوم على توسيع دائرة النفوذ خارج الحدود الإيرانية، وإنشاء شبكة من الحلفاء المسلحين في دول الطوق المحيطة بإسرائيل، بحيث تصبح أي مواجهة مع طهران مواجهة متعددة الجبهات، هكذا وُلد مفهوم “وحدة الساحات” أو “وحدة الجبهات”، الذي يفترض أن اشتعال ساحة واحدة سيؤدي تلقائيًا إلى اشتعال بقية الساحات، ما يخلق حالة ردع شاملة.
ضمن هذا الإطار، دعمت إيران قوى مثل حركة حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، وجماعة أنصار الله في اليمن، إضافة إلى حضورها في الساحة السورية والعراقية، الفكرة لم تكن فقط دعم حلفاء أيديولوجيين، بل خلق طوق جغرافي عسكري يُمكّن إيران من خوض أي مواجهة بعيدًا عن أراضيها، ويُحمّل خصومها كلفة استراتيجية مضاعفة.
غير أن أحداث هجوم 7 أكتوبر 2023 شكّلت نقطة تحوّل مفصلية، فقد أدى الهجوم الذي شنّته حماس ضد إسرائيل إلى اندلاع حرب واسعة في غزة، لكنها لم تتحول إلى حرب إقليمية شاملة كما كان يُتوقع في إطار “وحدة الساحات”، بدل أن تتزامن الجبهات، جرى التعامل مع كل ساحة على حدة.
في غزة، تعرضت حماس لضربات قاسية استهدفت بنيتها العسكرية والتنظيمية، وفي لبنان، بقيت مواجهة حزب الله مع إسرائيل ضمن نطاق محسوب، تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، أما في اليمن، فقد انخرط الحوثيون في عمليات ضغط بحرية وإقليمية، لكنها لم ترقَ إلى مستوى فتح جبهة تقليدية واسعة، هكذا بدا أن الاستراتيجية التي قامت على التزامن والتكامل بين الساحات قد تحولت عمليًا إلى ساحات منفصلة يجري استفراد كل منها بظروفها الخاصة.
هذا التحول أضعف الفرضية الأساسية التي قامت عليها “وحدة الساحات”، وهي أن التهديد المتعدد الجبهات سيمنع أي طرف من خوض مواجهة كبرى، فبدل الردع الشامل، ظهر نموذج “التفكيك التدريجي”، حيث يمكن احتواء كل جبهة دون إشعال الأخرى بالكامل.
مع ذلك، لا يمكن القول إن إيران باتت بلا أوراق، فهي ما تزال تمتلك قدرات صاروخية متقدمة، وأدوات ردع غير تقليدية، ونفوذًا سياسيًا وأمنيًا في أكثر من ساحة، كما أن الحسابات الدولية، وخصوصًا دور الولايات المتحدة والقوى الكبرى، تجعل أي حرب شاملة محفوفة بتداعيات تتجاوز الإطار الإقليمي.
ما جرى بعد السابع من أكتوبر لم يُنهِ بالضرورة الاستراتيجية الإيرانية، لكنه وضعها أمام اختبار قاسٍ، لقد أظهر أن تماسك “المحور” ليس آليًا، وأن حسابات كل ساحة تخضع لظروفها المحلية والإقليمية، وبين مفهوم “وحدة الساحات” وواقع “تفكيك الجبهات”، تقف إيران اليوم أمام سؤال استراتيجي حاسم: هل تستطيع إعادة صياغة معادلة الردع، أم أن مرحلة جديدة من المواجهة قد بدأت بقواعد مختلفة؟
* باحث في الشؤون السياسية




