طه رياضي
مغاربة العالم ليسوا حالة ظرفية ولا ورقة تستعمل في الخطاب العمومي متى شئنا وتهمل متى شئنا، بل هم مكون دستوري أصيل من مكونات الأمة المغربية.
لقد حسم دستور 2011 هذا النقاش بشكل واضح عندما نص في فصليه 17 و18 على تمتعهم بكامل حقوق المواطنة، وعلى التزام الدولة بحماية حقوقهم ومصالحهم، والعمل على تقوية مساهمتهم في تنمية وطنهم.
هذا المقتضى ليس شعارا سياسيا، بل التزام دستوري ملزم لكل مسؤول عمومي، كيفما كان موقعه.
وعليه، فإن أي خطاب يفهم منه التقليل من دور مغاربة العالم أو الإيحاء بأن مساهمتهم أمر ثانوي، هو خطاب لا ينسجم مع روح الدستور ولا مع التوجهات الاستراتيجية الكبرى للدولة.
تشجيعهم على الاستثمار ليس تفضلا من أحد، وليس منة سياسية، بل واجب دستوري ومؤسساتي. الدولة مطالبة بتبسيط المساطر، وإزالة العراقيل الإدارية، وضمان بيئة قانونية شفافة ومحفزة، لأن ذلك يدخل في صميم مسؤولياتها تجاه مواطنيها داخل الوطن وخارجه.
لقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في أكثر من خطاب على العناية الخاصة بمغاربة العالم، واعتبرهم طاقة استراتيجية يجب تعبئتها في مسلسل التنمية.
وهذه الرؤية الملكية لم تكن مجرد توجيه معنوي، بل إطارا ناظما للسياسات العمومية في هذا المجال. كما أن الحكومة قامت بخطوات مهمة لتحسين مناخ الاستثمار وتبسيط الإجراءات، ونثمن في هذا السياق ما تبذله وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج تحت إشراف السيد ناصر بوريطة من جهود لتعزيز جسور الثقة مع الجالية وتشجيعها على الانخراط الفعلي في التنمية.
لكن في المقابل، لا يمكن القبول بأي طرح يضعف هذا المسار أو يربك الثقة التي تم بناؤها. مغاربة العالم ليسوا عبئا على الدولة، بل رافعة أساسية للاقتصاد الوطني عبر تحويلاتهم المالية واستثماراتهم، ومصدرا لنقل الخبرات والتجارب الدولية، وسفراء حقيقيين للمغرب في الخارج. من يساهم بكل هذا لا يخاطب بخطاب يوحي بالاستغناء عنه أو يقلل من رمزيته الوطنية.
المسؤولية السياسية تقتضي الانسجام بين القول والفعل، وبين الخطاب والنص الدستوري. فالثقة هي أساس أي استثمار، وأساس أي علاقة سليمة بين الدولة ومواطنيها.
وإذا كان مغاربة العالم يطالبون اليوم بشيء، فهو تفعيل المقتضيات الدستورية كاملة، واحترام مكانتهم، وتوفير شروط عملية تترجم الاعتراف النظري إلى واقع ملموس.
مغاربة العالم سيظلون شركاء في البناء، لا ينتظرون امتيازًا خارج إطار القانون، لكنهم يرفضون أن يتم اختزالهم أو التقليل من شأنهم.
الوطن يتقوى بجميع أبنائه، داخل حدوده وخارجها، وأي رؤية تنموية جادة لا يمكن أن تنجح دون إشراكهم باعتبارهم جزءا من الحل، لا موضوعا للنقاش العابر.




