رياض الفرطوسي
مع تصاعد الصراعات في الشرق الأوسط، امتلأت الشاشات الفضائية بوجوه متشابكة، كل واحد منها يعلن عن قدرته على تفسير كل شيء، من مسار الحرب إلى تقلبات السياسة والاقتصاد.
ومع ذلك، ما يقدمه هؤلاء المحللون غالباً ليس سوى طبقة من الكلام السطحي، تتجاوز الوقائع الحقيقية وتحوّل المشاهد إلى متلقي لا يعرف ما يجب أن يصدّقه.
الظاهرة ليست جديدة في العالم العربي، لكنها اكتسبت بعداً مأساوياً مع الحاجة المتزايدة للقنوات الفضائية لملء الهواء بالمحتوى.
يمكن للمحلل أن يظهر على الشاشة بعد قراءة سريعة لعناوين الصحف، أو متابعة بعض المقالات، ويمنح نفسه لقب “خبير” أو “استراتيجي”، وكأن مجرد الحديث عن دولة كبرى يكفي لمنحه المصداقية.
في مقابل ذلك، يلاحظ المفكر السياسي البريطاني تيموثي غارتون آش أن “كثرة المحللين لا تعني بالضرورة معرفة، بل أحياناً ضوضاء تزيد فهم المشاهد تشويشاً”.
حتى في الغرب، هناك وعي بالفرق بين الخبرة المباشرة والتحليل من بعد. مؤرخون مثل أندرو جوردان ومارتن ريتشاردسون لاحظوا أن التحليل السياسي الفعلي يحتاج إلى سنوات من العمل الميداني والدراسة العميقة، والتردد أحياناً في إصدار حكم أفضل من الثقة المفرطة التي ترافق كثير من “المحللين الجدد”.
بينما في العالم العربي، يمكن لأي صوت عالٍ ونبرة واثقة أن يخلق وهم الخبير، رغم غياب الخبرة الفعلية، ورغم أن الأحداث غالباً تُفسّر من وراء مكتب، أو من غرفة استوديو مكيفة، بعيدة عن دخان الحرب وفوضاها.
هناك فئة أخرى، أكثر غرابة، تتخذ من الصالونات والمقاهي مختبراً لإنتاج الرأي الجاهز، حيث تُختصر الحروب إلى خرائط على الطاولة، وتُختزل الشعوب إلى عناوين، وتُقدّم المآسي الإنسانية كأمثلة تحليلية للاستهلاك الإعلامي.
المحلل الأمريكي هانز مورغنتاو كتب عن خطر هذا النوع من التحليل في كل مكان: “الحديث عن السياسة من دون اختبار الواقع المباشر يمكن أن يولّد أكثر من توجيه خاطئ من الفهم الصحيح”.
وفي الوقت الذي يزداد فيه الاعتماد على هؤلاء في تغطية الصراعات، تتكاثر الألقاب، من “خبير استراتيجي” إلى “محلل سياسي”، دون أن يكون لديهم أي تجربة حقيقية في الميدان، وكأن كثرة الكلام تعوض عن نقص الممارسة. الجنود، المدن، حتى الدول، تتحول إلى أرقام وخطوط بيانية، بينما الحقيقة الحية، التي تحتوي على تفاصيل حياتية، تبقى خارج الرؤية.
المشكلة الحقيقية ليست كثرة الكلام، بل ثقة المحللين بأنهم يعرفون، بينما هم في الواقع بعيدون كل البعد عن كيفية إدارة الأحداث أو فهم دينامياتها الحقيقية.
هذا يخلق ضجيجاً إعلامياً لا يقل خطورة عن الحرب نفسها، فهو يربك المشاهدين، ويصنع وهم السيطرة، بينما الواقع أكثر تعقيداً من أي تحليل يمكن تقديمه من وراء شاشة أو مكتب مكيف.
في زمن الحرب، يصبح لكل كلمة وزن إضافي. وبين خبراء بلا تجربة، وآخرين بالغوا في الثقة، تظل الحقيقة تائهة، والمشاهد محاصراً بين تضارب الأقاويل، بلا دليل واضح، ولا قدرة على التمييز. وبين هؤلاء، تظل القاعدة واحدة: ليس كل من تكلّم خبيراً، وليس كل من ارتفع صوته يعرف ما وراء سواتر الحرب.
* كاتب عراقي




