السياسة مصلحة (فهمناها) وهي ليست عواطف (لم نفهمها)؛ السبب ليس في المقولة نفسها في شروط محددة وضمن وعي معزز بالمفهمة، بل السبب هنا راجع إلى اللّغو بالمفاهيم التي لها نشأة وتطور واعتبارات ومدارك.
شعار له طنين وصدى، غالبا ما يكتسي طابعا تبريريا؛ لكن المفارقة هي أنّه شعار “تدويخي” غارق في العاطفة الملوّنة، إرضاء لمنجزات إمبريالية ودغدغة لعواطفها؛ مسكينة السياسة حينما فقدت أصلها الفلسفي كتدبير يتقوّم بالعدالة ويصدر عن الضمير، مسكينة السياسة حين خلف من بعدهم خلف أضاعوا المفاهيم وعبثوا بميراث علم كابد المؤسسون في سبيل إنمائه، قبل أن يهدره السُّفهاء.
إن تدبير النفس والمدينة، يتكاملان في الاجتماع الوطني(وإلاّ ما جدوى الدساتير) كما يتآزران في الاجتماع الدولي (وإلاّ ما جدوى المواثيق الدولية).
في عصر التّطرفات، يصعب تمييز القنافذ. فالتعبير عن التّطرف له أكثر من لسان، إذ قد يكتسي طابعا إبستيمولوجيا خادعا، وربما عند التنزيل نسقط في تمثّلات بهلوانية منحرفة عن سياقات لها شروطها وحدودها وآفاقها، كالحياد الأكسيولوجي في موضوع السياسة، تحريفا وحرفنة.
فماكس فيبر الذي نحت هذه الجريرة السوسيولوجية (جريرة من حيث أنّ شروط نحت المفهوم تجاهلت ضرورة تحصينه من الاستغلال مستقبلا)، هو نفسه برهن بما فيه الكفاية عن دور العاطفة بما فيها الدين في نشأة الرأسمالية وعموم الاقتصاد.
ومن أنصت إلى ريمون آرون، مترجم ومفسر أعمال أستاذه ماكس فيبر، سيجد أن مساره كان مضمّخا بعواطف حدّ الشقاوة، وربما تحمس للحياد الأكسيولوجي عنادا ضدّ اجتياح الماركسية للحرم الجامعي (مع أنّ من كان يناهضهم آرون من اليسار ستظهر منهم نابتة اليوم أكثر تمثّلا لنزعته للمصلحة المتطرفة؛ المصلحة بنكهة نيوليبرالية)، لكنه زاول الكتابة الصحفية التي تبرّم منها الحِرَفي الأكاديمي.
لقد روّج ريمون آرون للعقلانية الباردة والموضوعية، التي سيتبين أنها طوباوية بامتياز، لكنه احتفظ بمواقف عاطفية، انخرط في مواجهة النازية وكذلك الشيوعية، منفعلا غير بارد في هذه المواجهة السياسية.
فلكي نحمي الحرية لا بدّ من الانخراط في هذه المواجهة بشغف. اختار رايمون آرون موقف المناضل بكيفية أخرى، موقف المشاهد الملتزم (Le Spectateur Engagé)، وهو العمل الحواري بمعية كلّ من (Jean-Louis Missika ) و(Dominique Wolton)، هنا يتمثل البرودة الفيبرية، لكنه في الوقت نفسه يتمثل انفعالات واختيارات عصره.
من هنا يأتي نقد آرون لسارتر، باعتبار أنّ هذا الأخير انخرط بشكل أعمى في الثورات والتضامن مع الشعوب، حيث يعتبر آرون أن الوفاء للحقيقة بالنسبة للمثقف هو أسمى العواطف.
وسوف نرى أن من يتمثّل الحياد الأكسيولوجي والفصل بين السياسة والعاطفة، لا يأبه للحقيقة، إلا مخاتلة. لكن ولدحض من يتمثّل هذا الفصل التعسفي لغايات أخرى، وجب التأكيد على أنّ آرون كان يواجه أوهام المثقفين، فهو لم ينفك عن قضايا عصره كما في (المشاهد الملتزم)، لكنه في نقده لسارتر وعموم المثقفين الواهمين وغير الواقعيين كما نجد ذلك في أفيون المثقفين (L’Opium des intellectuels)، معللا موقفه بأنّ حسن النّية لا يبرر الجريمة السياسية، حيث يتعين على المثقف قول الحقيقة.
أتساءل هنا، مع دعاة الفصل بين السياسة والأخلاق بحجة أن السياسة مصلحة مجردة، ما هو موقفهم من جرائم الحرب؟ هذا في حين كان سارتر يرى في برودة السياسي خيانة لقضايا الإنسان.
كان ذلك نقاشا في حدود النزاع بين شغف الحماسة والبرودة، وهو نقاش أسمى مما عليه أنصار (السياسة كمصلحة مجردة)، ذلك لأنّهم ليسوا على قدر متين من برودة فيبر وآرون، بل تجدهم منخرطين بحماسة وشغف في خيانة قضايا الشعوب. من هنا كان خصوم آرون يعبرون عن هذه المهزلة بالقول: لَأَن نكون على خطأ مع سارتر أفضل من أن نكون على صواب مع آرون.
هناك نموذج لافت للنظر في بلادنا، لطالما ذكّرت بأنّ عبد الله العروي كان متمثّلا وفيّا لموقف أستاذه ريمون آرون، سالكا لمساره حذو النعل بالنعل، فهو يزاول دور المشاهد الملتزم.
طبعا حين نتأمّل الفوضى التي آل إليها التِّقوال في السياسة والتّاريخ، نتفهم موقف العروي الذي لن تجده يسابق الأحداث بالثرثرة، فلربّما بعد مضيّ 10 سنوات، قد يستعيدها كبحث عن الزمن المفقود في خواطر الصباح.
سيكتسب التحليل عند العروي قيمة تاريخية ولا يضيع في مستنقع البوليميك. وهنا أنا متفق معه، لأنّه أدرك معنى البرودة، ليس كاستقالة، بل كنجاة من الرّداءة.
لكن، وخلافا لأستاذه الذي سجل حضوره في تفاصيل المشهد، فإنّ العروي يفضل البرودة الممنهجة خارج أي انخراط. ويبدوا الفارق هنا واضحا بين برودة مؤرّخ يعيد تأويل الحدث، وبين تحيّز مفارق يفتعل البرودة لكن بـ”حرارة” بوليميكية. ومع أنّني لا أفضل أن نتحدث عن البرودة، لأننا لسنا سحلّيات في فصل الشتاء، فإنّني أفضل الحديث عن الرّوية في مقاربة وتدبير السياسة.
أجل، إنّهم لم يفهموا فيبر ولا آرون ولا حتى العروي في سياقه؛ فأن يكون العلم حرفة، يعني الانشغال بالحقيقة بمزيد من العقلانية ونزع السحر عن العالم، الأطروحة الأثيرة لماكس فيبر.
لكننا نتساءل بدورنا، ما هو حجم العنف السحري في عالم الإمبريالية التي تبرر العدوان بخرائف سياسية وتعيد السحر إلى العالم بعنف.
كانت الغاية الفيبرية هي تحرير الطالب من هيمنة قيم سياسية معينة. وفي حرفة السياسي يؤكد فيبر على خاصية أساسية هي الشغف والشعور بالمسؤولية دون السقوط المفرط في العاطفة.
كان ذلك في سياق هيمنة النزعة السياسية الأخلاقية والموقف المبدئي من السياسة زمن طغيان الأيديولوجيات الكبرى. وكان موقف فيبر ليس إقصاء المشاعر، بل تحصين المسؤولية السياسية من الشّطط.
لكننا اليوم نلاحظ أن شطط السياسة هو الذي بات خطرا على المشاعر الإنسانية، ومن هنا فإنّ الاختباء خلف الفيبرية، هو مغالطة أيديولوجية رثّة.
لقد ميّز ماكس فيبر بين أخلاق المسؤولية، مع تحمّل السياسي لنتائج توقّعاته، وعدم فرض القيم الخاصة، وبين أخلاق القناعة، وهي غير معنية بالنتيجة بقدر ما هي معنية بالمبدأ.
كان من الأولى أن يتجه العصر إلى إيجاد جسر بين أخلاق القناعة المبدئية وأخلاق المسؤولية والحياد القيمي، وذلك كجواب على تقدير فيبر بأنّ الصراع بين أخلاق المسؤولية وأخلاق القناعة، هو التحدّي الذي يواجهه السياسيون. وسوف نواجه مفارقة في تدبير السياسة اليوم، هي عدم الوضوح، فغالبا ما تزف أخلاق المسؤولية تقديراتها بلغة أخلاق القناعة.
فيبر نفسه أدرك أنّ أخلاقا واحدة من الإثنين لا تحقق البُلغة، فأخلاق المسؤولية في غياب أي التزام أخلاقي ستتحوّل حتما إلى حالة انتهازية، بينما من لا يأبه بأخلاق المسؤولية، ولا يراعي الواقع، يصبح كأبله في السياسة.
ومن هنا، فإنّ ماكس فيبر منظر البرودة السياسية، يعتبر أنّ أخلاق المسؤولية ضرورية في تحقيق نتائج صحيحة، لكن تظل هناك حدود يتعين على السياسي أن يقف عندها، حيث تحضر القناعة والمبدئية بقوّة. على عكس من ذلك، فإنّ برودة السياسي المزيف اليوم، والمحرف لمفاهيم السياسة، يعبّر عن غريزة انتهازية، خارقا كلّ الحدود.
ما يتناهى إلى مسامعنا من شعارات تبسيطية في علم السياسة، لا علاقة له بالبراغماتية. فإذا كان فيبر قد أشار إلى الصراع بين القناعة والمسؤولية في تقدير الموقف، فإنّ البرغماتية ترى أن العاطفة محفز للتفكير العقلاني، كما هي رغبتنا في العدالة التي تحفّز للتضامن مع الطبقات الدنيا من الناس، والمعذبين في الأرض.
فالسياسي الذي يستعمل العاطفة في تحفيز الجماهير ثم ما أن يستقر به النوى على مقعد المسؤولية، حتى يتحدث عن الفصل بين السياسة والعواطف، يضعنا أمام مفارقة حرفة السياسي.
فمع جون ديوي كبير منظري البراغماتية، ليست الأخلاق مجرد مبادئ معلّقة، بل هي وسيلة لتحسين حياة الناس. إنّ تجريد السياسة من المبادئ والعاطفة، أي سياسة باردة كسحلية مسمومة في حالة كمون، تسعى لجعل عالم البشر في وضعية زامبي، مفرغ من الروح.
بل تغدو السياسة هنا كتقنية وميكيافيلية متطرفة. إنّ البراغماتية التي يتعلّق في ذيلها الانتهازيون، تؤكد على أنّ السياسة الناجحة هي تلك التي تستطيع تحويل العاطفة إلى نتائج حقيقية تنفع النّاس، فالحياة الإنسانية محاطة بالعواطف والانتظارات.
هنا يبدو الموضوع أبعد من الخوف من طغيان العاطفة – وليس مجرد العاطفة- لأنّ نتائج سياسية خالية من العاطفة لن تكون لها قيمة في حياة النّاس. إنّ العواطف والمبادئ في حدّ ذاتها مصلحة.
من هنا وجب تحرير المفاهيم من قراصنة جزيرة الكنز، لنؤكد بأنّ ماكس فيبر لم يدع للبرودة كإعدام للمشاعر وتبلّد في الإحساس، بل كاستراتيجية لتحصين السياسة من الغوغائية والعواطف الساذجة، أي كيف نحقق المبادئ والعواطف بمنهجية عقلانية.
غير أن ماكس فيبر لو طال به الزمن ورأى أحوال زماننا، لصدمته ظاهرة أنّ السياسة تحتاج اليوم إلى العواطف النبيلة لتحصينها من استغلال النخب لا الدهماء المتترسين خداعا بمفاهيم علم السياسة. فماكس فيبر كان أيضا يخشى من تخشّب العقلانية وتحولها إلى غاية، مما يفرغ السياسة من محتواها الإنساني. ووجب حينئذ التأكيد بأنّ هؤلاء ليسوا عقلانيين بل فقط انتهازيين.
إن السياسة كفضيلة منذ أفلاطون، تدور مدار العدالة، تلك التي تعني في تدبير النفس حالة توازن بين العقل والقوة الغضبية والرغبة، كما تعني في تدبير المدينة تحقيق توازن بين الحاكم والمحارب والمنتج.
في القول بالحياد الأكسيولوجي لإنجاز أفضل معرفة منهجية، يحدث سوء فهم انتهى إلى ردّة سقراطية، من حيث أنّ الفضيلة عند حكيم الآغورا هي فضيلة، هذا وأنّ السياسة عند أفلاطون هي تقنية تقتضي المعرفة بالخير. إذا كان جوهر وظيفة السياسي هي التربية من أجل تحقيق الخير الأسمى، فوظيفة السياسي اليوم هو إفساد التربية.
قلت قبل قليل بأنّ البرودة هي جريرة فيبرية، لأنها لم تُحصّن بشروط ولم تُقيّد بسياق، فبالنسبة لماكس فيبر، كان هذا الأخير مهجوسا بالموضوعية لإنقاذ العلم لا السياسة، فهو في حرفة السياسي يدرك أنّها ليست معادلة رياضية.
يمنح ماكس فيبر الكاريزما في السياسة ومفهوم الشرعية دورا جوهريا؛ هي جريرة لأنها انتهت إلى الحضيض، حين تلقّفها من له القابلية للتنكر لمشاعر الإنسانية في احتراف السياسة كقرصان.
الحياد الأكسيولوجي في العلم غايته تكوين فهم حقيقي بالظاهرة السياسية عند الدّرس والتحقيق، لكن الحياد الاكسيولوجي لا علاقة له بالسياسة كممارسة وتدبير، لأنّ السياسي المنزوع المشاعر الانسانية، لن يكون إلاّ قرصانا صغيرا، معه تنهار الثّقة والمصداقية.
فالمتطرفون يحرفون المفاهيم ويتمثلونها عِوَجا. وهكذا اختلط ما كان من مقام النظر بما كان من مقام العمل.
ومع ذلك أقول: لا توجد مصلحة محايدة، بل إنّ جنوح الأمم القوية لسحق الأمم الضعيفة من أجل مصالح إمبريالية، يضعنا أمام نزعة عبيد المنزل، أولئك الذين وجب قبل أن يتحدثوا عن الحياد ونزع العواطف الإنسانية من السياسية، أن يتنكروا لفعل التحرر من الهيمنة والاستعمار وكفاح الشعوب، فهي أيضا من المصالح الحقّة.
إنّ مفهوم المصلحة في السياسة الرشيدة هي مطلب كلاسيكي للثورة السياسية الحديثة، للمواثيق الدولية التي تعزز حقوق الإنسان في السلم والحرب، وتدين جرائم الحرب، بناء على الأسس الفلسفية لحق الشعوب والأمم المفصلة في العهدين الدوليين للحقوق.
فالمصالح الهمجية والإمبريالية حين يتحدث عنها الغزاة، يكون لها مبرر من منطق القوة، لكن أي معنى حين يتحدث عن المصالح المناهضة للوجدان البشري، من يخضع للمنظومة الثالثية الضائعة؟! على الأقل والأقل، فإنّ القيم والعواطف، على فرض المقابلة الخاطئة، تبقى من مصلحة المعذبين في الأرض.
تسعى الإمبريالية إلى نزع المشاعر البشرية لتمرير مشروعها الجهنمي، وهي حتى الآن نجحت في تعزيز طاقم عبيد المنزل الذين يدافعون عن سطوة القراصنة ويكررون تراكيب لفظية وشعارات شاردة.
ومع ذلك انظر تجد أن من يلوك هذه المفاهيم الرخوة هو غارق حتى الركبة في الفعل وردود الفعل، كما تؤكّده العصبية والانحيازات والكراهية والانتهازية، فليس لك إلا أن تختار بين مشاعر نبيلة ومشاعر القرصان، وليس دونهما سوى خرط القتاد.




