د. منصور أبو كريم
لا يمكن النظر إلى ما يجري في الإقليم، خصوصًا في ظل الحرب القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بمعزل عن المشهد في قطاع غزة.
فترابط الساحات بات سمة أساسية في إدارة الصراع، حيث تسعى الأطراف إلى ضبط إيقاع المواجهات وتوزيعها بما يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة مفتوحة على كل الجبهات.
وفي هذا السياق، فإن حالة الجمود النسبي التي يشهدها قطاع غزة لا تعكس غياب التأثير، بقدر ما تعبّر عن تموضعه ضمن معادلة إقليمية أوسع، تُدار فيها الجبهات بشكل متداخل، بحيث يُعاد توجيه الضغط أو تخفيفه وفق تطورات المواجهة في الإقليم.
في هذا السياق، برزت مؤخرًا مبادرات أو أفكار تدعو إلى تخلي حركة حماس عن سلاحها خلال فترة زمنية محددة، وهو طرح يواجه تحديات واقعية كبيرة.
فالسلاح بالنسبة للحركة لا يمثل فقط أداة عسكرية، بل يشكّل عنصرًا أساسيًا في معادلة القوة، وورقة تفاوضية لا يمكن التفريط بها بسهولة.
كما أن التجارب السابقة في الساحة الفلسطينية تجعل من مسألة التخلي عن أدوات النفوذ، سواء كانت عسكرية أو إدارية، خطوة محفوفة بالمخاطر في غياب ضمانات سياسية واضحة.
ومن المرجح أن تتعامل الحركة مع هذه الطروحات بسياسة تقوم على كسب الوقت والمناورة، في انتظار اتضاح ملامح المشهد الإقليمي.
غير أن هذه الحسابات لا تُبنى فقط على معطيات الخارج، بل تتأثر أيضًا بعوامل داخلية ضاغطة، أبرزها الوضع الإنساني والاقتصادي في القطاع، والذي قد يفرض في لحظة ما إعادة ترتيب الأولويات، حتى وإن لم يصل إلى حد تقديم تنازلات جوهرية.
على المستوى الميداني، تبدو حركة حماس في موقع أكثر ثباتًا مما كانت عليه في فترات سابقة، بعد أن عملت خلال الأشهر الماضية على إعادة إنتاج سلطتها داخل القطاع، من خلال إعادة تشكيل أجهزتها الأمنية والإدارية، مستفيدة من حالة الفراغ السياسي وتأخر تفعيل البدائل المؤسسية.
هذا الواقع يمنحها هامشًا أوسع للمناورة، لكنه في الوقت ذاته لا يرقى إلى مستوى الاستقرار المستدام، إذ يبقى عرضة للتأثر بالضغوط الخارجية والتقلبات الداخلية.
في ضوء ذلك، لا يمكن اختزال المستقبل في سيناريو واحد. فهناك مسارات متعددة محتملة، تبدأ من استمرار سياسة الاحتواء والتهدئة في أكثر من ساحة، مرورًا بإمكانية عودة التصعيد العسكري في قطاع غزة في حال تعثر التفاهمات، وصولًا إلى سيناريوهات التسويات الجزئية التي تعالج بعض الأزمات دون المساس بجوهر الصراع.
كما أن أي تهدئة محتملة في الخليج، مدفوعة بالحاجة إلى استقرار أسواق الطاقة، قد تنعكس بشكل أو بآخر على غزة، لكنها لن تكون كافية بمفردها لضمان استقرار طويل الأمد في ظل استمرار العوامل المحلية والإقليمية المعقدة.
في المحصلة، يبقى قطاع غزة جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، يتأثر بها ويؤثر فيها، لكن مساره النهائي سيظل مرهونًا بتقاطع معقد بين حسابات الداخل وضغوط الخارج، وبين موازين القوة الميدانية وإرادات التسوية السياسية.
* باحث فلسطيني في الشؤون السياسية
