آراء
أخر الأخبار

خرافة الديموقراطية

وطالما كانت الأكثرية من الجهلاء الفقراء، فهي حكم (الديماغوجية) وظلم الأغنياء وسماها (Mobocracy). ولو حكمت صناديق الانتخابات، في أكثر من قطر عربي، لحكمت الغوغاء والأصولية الدينية، التي تعيش أيام سعيد جقمق من المماليك البرجية..

ليس هناك من موضة رائجة هذه الأيام أشد من كلمة الديموقراطية، وليس هناك من كلمة أشد غموضا منها. وتذكر (فاطمة المرنيسي) من المغرب أنها حينما تحدثت لجدتها عن الديموقراطية ظنتها جبلاً في قارة بعيدة.

وفي يوم كانت ابنتي تركب باصاً عموميا في الجولان السوري، وقد غطت معظم نوافذ الحافلة بصور الرئيس؛ فلم يعد ير أحد شيئا، سوى ملامح وجهه السنية، فسألتها من بجانبها من أي قرية أنت؟ قالت جئت من كندا؟ قالت نعم.. نعم أعرف (تنكة). والديموقراطية في الغابة البعثية كانت هكذا بفارق كندا وتنكا. والغابة البعثية ليست الوحيدة من سفاري عربية كاملة.

ولأن العرب يضرب مفاصلهم زمهرير قاتل، من شتاء الثقافة، وهم يعيشون شبه عرايا، من أي واقي ثقافي، فهم جاهزون للبس أي قماش فكري، والاستدفاء بأي نار.

وعندما أصدر (مصطفى السباعي) كتابه عن (اشتراكية الإسلام) وسم بالهرطقة. والكثير من الفارين العرب إلى (كندا)، يؤدون القسم على الديموقراطية البريطانية، للملك تشارلز الحالي ومن قبل لإليزابيث الثانية، وهم يلعنون ديموقراطية الكفر في قلوبهم.

وفي يوم أرسلت منظمة اليونسكو إلى أكثر من مائة عالم، من كل القارات، ترجوهم أن يضعوا تعريفا للديموقراطية، فوصلها أكثر من مائة تعريف، مما يجعل التعريفات متناقضة، إلى درجة “إن الجدل حول الديموقراطية عقيم لغويا، لأننا لا ندري حول ماذا نتكلم؟” وبوش مدمن المخدرات السابق أراد زرع الديموقراطية في العراق بالماشين جن.

ووصف هتلر نظامه السياسي أنه نموذج الديموقراطية، وسيبقى الرايخ الثالث ألف سنة، فبقي 13 سنة، وارتاح الألمان. أما نحن فيبدو أننا سوف نعاصر ولادة عسيرة وهو قدر كل الأمم يزيد وينقص.

والأنظمة الثورية تعتبر نفسها نموذج رائع لتحقيق الديموقراطية، والسجون والمعتقلات هي دليل عافية، وبرهان على أمة حية تقاوم. كما وصفها يوما نعسان الآغا مستشار الأسد الثقافي قبل أن يحول رحله إلى الثورة مع انقلاب الأمور.

وبهذا تصبح كندا وألمانيا، مناطق متخلفة لعدم امتلاء المعتقلات.. ووصف (موسوليني) نظامه الفاشي أنه ديموقراطية شمولية مركزية منظمة. ويعتبر (جان جاك روسو) أن الديموقراطية لا تصلح لبني البشر، وإن صلحت فقد تصلح لشعب من الآلهة.

وفي ديموقراطية (أثينا) كان من ينتخب الرجال الفحول فقط، دون النساء القاصرات، والعبيد الخشع، والأجانب الركع، وكان الفحول أقلية في بحر البقية. وتعتبر كلمة الديموقراطية بغيضة عند (أفلاطون). وهو سيد الفلاسفة..أما (أرسطو) الدماغ الجبار؛ فرأى فيها مشاعر مختلفة مختلطة غامضة وغير محببة.

وطالما كانت الأكثرية من الجهلاء الفقراء، فهي حكم (الديماغوجية) وظلم الأغنياء وسماها (Mobocracy). ولو حكمت صناديق الانتخابات، في أكثر من قطر عربي، لحكمت الغوغاء والأصولية الدينية، التي تعيش أيام سعيد جقمق من المماليك البرجية. وفضل الآباء الأمريكيون، أن يسموا بلدهم بالجمهورية، ولم ينعتوها بالديموقراطية، لما رأوا من الرعب بعد الثورة الفرنسية.

وفي يوم قبل انهيار سد يأجوج ومأجوج في برلين، كانت عصابة (هونيكر) في ألمانيا الشرقية تمسك رقاب العباد، وتسمى نفسها جمهورية ألمانيا الديموقراطية (DDR)، حتى انهار سور برلين بدون قطرة دم، وعرف كل مواطن شرقي أنه كان له ملف عند (الاستازي STASI)، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، بما فيها زجاجات مخمرة من عرق المشبوهين ولعابهم، علها تنفع يوم الحساب، حتى اشترت ألمانيا الغربية؛ الشرقية بما حوت من مدر وبشر.

وتعترف مجلة (الشبيجل) الألمانية أن الحكومة الفيدرالية، صبت في عروق ومفاصل الشرقية الكسيحة المتصلبة 1350 مليار يورو بدون فائدة. وهو نفس المصير الذي ينتظرنا في جمهوريات الخوف والبطالة.

وعندما طار رأس صدام بقي رماد وخرافات، من شيعة وسنة يقتتلون؛ فبعد موت الإنسان في ظل الأنظمة الشمولية، لابد من كنس جيل كامل، وحرق أمة ميتة، كما تحرق الجثث للطهارة في نهر الغانج.

ويعتبر (جيوفاني سارتوري) من جامعة فلورنسا، من أعمق الباحثين في قضايا العلم السياسي، ووضع هو و(شوم بيتر) و(روبرت داهل) نظريات في الديموقراطية، تقول: إن حكم الشعب، للشعب، بالشعب، ولصالح الشعب، لا تزيد عن خرافة، وأن الشعب يذبح ويلعن باسم الشعب. وأن الحكم هو دوما للنخب والأقليات و(المقاولون السياسيون).

وكنا فيما سبق حين ندخل مدينة دمشق تطالعنا شعارات البعث: كل الحرية للشعب، ولا حرية لأعداء الشعب!! ولكن من هم أعداء الشعب؟؟ حتى أذن الله بدفن دولة البعث إلى يوم البعث. وهل يمكن أن يكون كل الشعب هذا العدو في لحظة؟؟ وفي كثير من بلدان العروبة، من يحكم هم طوائف وعائلات مسلحة، تحت شعار الديموقراطية.

و(حسني مبارك) حكم للمرة الخامسة لست سنين أخرى، ليصبح 84 سنة، باسم الديموقراطية، وكتن ينتخب بكل نزاهة؟ وهي نكتة لا تضحك إنس ولا جان. ومن جاء بعده توحلت مصر على نحو أبشع دليلا على غيابنا عن مسرح التاريخ.

و(تركمان باشي) مات، بعد أن حكم (تركمانستان) 66 سنة، فوصفه الرفاق؛ أنه مهد الطريق للديموقراطية الحقيقية، بعد أن حرم زرع الأسنان الذهبية، وغير أسماء الأشهر باسمه، واسم أمه الخاتون؛ فلم يعد (ديسمبر) بل خاتون هانم..

والمصيبة في الديموقراطية في ثلاث جوانب: في التعريف والآلية والمآل.

فحول تعريفها، لا يدعي أحد أن عنده لها تعريفا مانعا جامعا، كما يقول المناطقة؛ فهم مثل الشعراء في كل واد يهيمون.

والآلية أنها آلة انتخابية، لأخذ رأي الناس، ولكن النخب بنفوذها، والمال الذي فيه تسبح، عندها من الإمكانية أن تفبرك القرار، وتضحك على الجماهير، فقادتهم إلى الرق السياسي.

وخلاصة القول أننا في عالم العروبة، نهرع إلى كل سراب مهطعين؛ ففي يوم كنا (نخرطش) السلاح مع حزب الله، وفي الشتاء كنا نخرطش السلاح ضده؟؟ حتى كتبه الله في الأذلين.

وفي يوم طالب حزب الرب في لبنان، أن تخاض الانتخابات بطريقة نزيهة، ليكسب 11 وزيرا، بمن فيهم الوزير (كش ملك)، ليبتلع لبنان، بأفضل من ازدراد أفعى الآناكوندا قرد البابون. حتى قضي أمره إلى يوم يبعثون.

وهو يذكر بما قاله الوردي عالم الاجتماع العراقي الشيعي، الذي كان يضحك من خرافات الشيعة والسنة، ثم يضحك على نفسه: كل من يتحدث بالعدالة والنزاهة والحق والمنطق فتأكد من صحة عقله؟؟ ونحن نعرف أنه ليس هناك من مكان تزور فيه إرادة الجماهير مثل الجماهيريات، وأما المجالس الشعبية فهي مجالس قرود للتصفيق والتزوير. والعبرة ليست في الصناديق بل وعي الجماهير. وبيننا وبين الوعي مسيرة سنة ضوئية.

https://anbaaexpress.ma/7xsfz

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى