أفريقيامجتمع
أخر الأخبار

بيان.. بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على التمييز العنصري

لا عدالة دون اعتراف: مواجهة التمييز العنصري في شمال إفريقيا ومخيمات تندوف

تخليدا لليوم الدولي للقضاء على التمييز العنصري، الذي أقرته الأمم المتحدة تذكيرا بما وقع من فظاعات في واقعة مجزرة شاربفيل بضواحي جوهانسبورغ، في 21 مارس 1960، يرفع تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية صوته نيابة عن مجتمعات لا تزال معاناتها، في غالب الأحيان، خارج نطاق الاعتراف في الخطاب العالمي لحقوق الإنسان.

يحرس تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الى التفاعل مع مختلف هيئات واليات الأمم المتحدة وباقي التكتلات الإقليمية، كالاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، وإلى جميع الدول والشعوب المؤمنة بالعدالة والمساواة والملتزمة بالمبادئ المنصوص عليها في الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، في حرص منا الى الدعوة إلى إيلاء اهتمام عاجل للأنماط المتجذرة للتمييز القائم على العرق والإثنية والهوية، والتي تؤثر على طيف واسع من سكان أنحاء شمال إفريقيا، ولا سيما داخل مخيمات الصحراويين في تندوف بالجزائر.

فاختيار الأمم المتحدة لإحياء ذكرى مجزرة شاربفيل، وما عاناه السود في ظل نظام الفصل العنصري، يذكرنا بأن التمييز العنصري لا يتجسد فقط في القوانين الصريحة أو المؤسسات الرسمية، بل يستمر عبر الإهمال الهيكلي، وفرض حالة انعدام الجنسية، والحرمان من الوثائق المدنية، وتقييد الحركة، وإسكات أصوات أولئك الذين يجرؤون على الجهر بالحق؛ وهي حقائق يعيشها يوميا الأشخاص الذين نمثلهم.

وسجل تحالفنا مواجهة الفئات ذات البشرة السوداء والمهاجرين من منطقة الساحل والصحراء والأشخاص ذوو الأصل الافريقي جنوب الصحراء في منطقة المغرب العربي، أنماطا من التمييز العنصري المتفشي، حيث تشمل الأنماط الموثقة ما يلي:

 الإنكار الممنهج للحق في الإقامة، والتسجيل المدني، والولوج إلى خدمات الصحة والتعليم على أساس الأصل العرقي والإثني، وكذا الإحصاء في حالة مخيمات تندوف لتحديد هوية الأشخاص القاطنين في تك المخيمات، وفرز الصحراويين من غيرهم ومعرفة حاجياتهم الإنسانية الحقيقية للاستجابة لها، وكذا توفير الحماية لهم بموجب حصولهم على مركز قانوني بموجب مقتضيات الاتفاقية الدولية وضع اللاجئين وبرتوكولها الملحق.

عمليات الصد العنيفة والطرد الجماعي التي تستهدف المهاجرين الأفارقة السود، في انتهاك صارخ لمبدأ “عدم الإعادة القسرية” والالتزامات المترتبة على الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري، لا سيما في سياقات الهجرة غير النظامية بدولة الجزائر، وما خلفت التدخلات الأمنية وعمليات الطرد من ماسي قتل جماعي وتشريد وتيه في الصحاري حتى الموت.

 الإقصاء الاجتماعي الذي تعززه الأحكام المسبقة ضد الأشخاص ذوي البشرة السوداء، لا سيما بمخيمات تندوف، حيث تعاني الك الفئة من الاقصاء والاستعباد، والتعذيب والمعاملات المسيئة او الحاطة من الكرامة، وهو ما بينه تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية في بلاغه العاجل الأخير الموجه الى آلية الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الانسان والمنظمات الدولية العاملة في مجال حقوق الانسان، بخصوص حالة احتجاز وتعذيب الطفل القاصر مولود المحجوب واستمرار استعباد عائلته لعقود، دون امكانية اللجوء الى سبل انتصاف وطنية جزائرية، بسبب تفويض الدولة الحاضنة للمخيمات لولايتها القضائية لتنظيم البوليساريو العسكري، وحماية مسؤولية من المتابعة الجنائية على ما يرتكبونه من انتهاكات جسيمة في المخيمات، بما في ذلك  رعايتهم لأشخاص وجهات تمارس التمييز العنصري والاستعباد في أبشع صوره في واضحة النهار.

إن هذه الممارسات لا تحدث بمعزل عن سياقها، بل تعكس تراتبيات تاريخية عميقة لم يتم الاعتراف بها أو تفكيكها بشكل كاف من قبل الدول المعنية. كما أن غياب تشريعات وطنية لمكافحة التمييز في معظم دول المنطقة يترك الضحايا دون سبل انتصاف قانونية فعالة.

وتستمر منطقة القبايل كفضاء جغرافي وثقافي امازيغي في الجزائر في مواجهة التمييز في ممارسة حقوقها اللغوية والثقافية والجماعية.

ورغم بعض المحاولات المحتشمة لدسترة حقوقهم، لا تزال فجوة التنفيذ واسعة، حيث تظل حقوقهم الثقافية والاجتماعية ولكما يتعلق بحماية هويتهم ولغتهم الأمازيغية تعاني من ضعف التمويل والتهميش في الحياة الرسمية، كما واجه الناشطون المدافعون عن الحقوق الأمازيغية ملاحقات قضائية في الجزائر، بموجب قوانين تطبق بشكل فضفاض لقمع التعبير الثقافي لهاته الفئات.

وينوه تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الى مواجهة الفئات والأشخاص ذوو البشرة السوداء بمخيمات تندوف، تقاطعا فريدا من التمييز العنصري والإثني والاجتماعي والثقافي والسياسي.

حيث وثق التحالف ما يعانيه هؤلاء الأشخاص من ممارسة ضارة بحقوقهم وكرامتهم ووجودهم الإنساني كبشر في فضاء انتهاكي مركز للحقوق والحريات، وإغلاق لآليات التقاضي الوطني من طرف دولة الجزائر كطرف في الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع اشكال التمييز العنصري وغيرها من الصكوك الدولية الحماية لحقوق الأشخاص والجماعات بغض النظر عن أصلهم او عرقهم او لون بشرتهم.

ونذكر بما يتعرض له أعضاء منظمة حرية وتقدم من تضييق وتهديدات في علاقة بنضالهم من اجل إسماع صوت فئة السود بمخيمات تندوف، وحمايتهم من التعرض للاحتجاز والتعذيب الممنهج على خلفية حالات الاستعباد المنتشرة بالمخيمات، حيث تم إحصاء 170 حالة عبودية بمخيمات تندوف منذ العام 2016، في غياب إمكانيات الرصد والتوثيق المؤسسي بالمخيمات، وصمت البوليساريو عن تلك الممارسات المقوضة لكرامة الافراد.

ويؤكد تحالفنا على ضرورة التصدي للاستهداف الممنهج للنشطاء والمدونين الصحراويين بمخيمات تندوف، على أساس هويتهم الإثنية ودفاعهم عن حرية الرأي والتعبير وحرية التنقل وحرية التجمع السلمي بالمخيمات الممنوعة منذ إنشائها، علاوة على مواجهة عمليات الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب الذي يمارس بشكل غير متناسب ضد فئات من الصحراويين بتندوف، بحسب أصلها الإثني ولون بشرتها وقربها من مسؤولي البوليساريو من عدمه، بالإضافة إلى التهميش الاقتصادي الموجه ضد فئات عريضة من ساكنة المخيمات، بسبب موجات النهب والتهريب الممنهج للمساعدات الإنسانية الموجهة لتلبية احتياجات صحراويي تندوف.

ويقر التحالف بتصنيف هذه الأنماط كتمظهرات للتمييز العنصري والإثني الهيكلي بمفهوم الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وعليه يدعو تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الجمهورية الجزائرية إلى السماح بمراقبة مستقلة لحقوق الإنسان دون قيود بمخيمات تندوف

ونعتبر أن الوضع الإنساني والحقوقي في المخيمات يتطلب فحصا نزيها وصارما، لا سيما فيما يتعلق بالممارسات التي تحمل سمات التمييز القائم على العرق والهوية.

إن تذكر ما حدث من فظاعات في شاربفيل، يجعلنا أكثر تمسكا بالمطالبة بحقوق بتعزيز وحماية حقوق الانسان، ومناصرة النداءات والمبادرات الرامية الى تسليط الضوء على الوضعية القانونية الهشة في مخيمات تندوف، حيث يواجه الصحراويون قيودا ممنهجة على حرية التنقل وغيابا لآليات تحديد وضعية اللاجئين بصفة فردية.

لأننا نعتقد أن هذا الفراغ القانوني المقترن بالحرمان من وثائق الهوية المدنية المعترف بها دوليا، أدى إلى تكريس حالة من التيه القانوني وانعدام الجنسية العابر للأجيال، مما يشكل انتهاكا جسيما لمعايير القانون الدولي للاجئين وللحقوق الأساسية المرتبطة بالشخصية القانونية للأفراد.

وبسبب تلك الهشاشة القانونية وغياب اية حماية أممية لصحراويي المخيمات، يتضاعف التمييز الإثني والاجتماعي المركب داخل المخيمات، لا سيما ضد فئة الأشخاص ذي البشرة السوداء التي لا تزال تعاني من وصمة إرث العبودية والتهميش في الولوج إلى مراكز المسؤولية مهما دنت، في ظل غياب آليات الانصاف والمساءلة. ويترافق هذا التمييز الهيكلي مع نهج قمعي يستهدف الأصوات المعارضة والنشطاء، حيث تتحمل الجزائر المسؤولية القانونية الكاملة بصفتها الدولة المضيفة عن كفالة الحقوق الأساسية لجميع الأشخاص الخاضعين لولايتها الإقليمية، وفقا لمبدأ عدم جواز تفويض الالتزامات الدولية لجهات غير حكومية.

وعلى هذا الأساس، ندعو في تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية الى الملاءمة الكاملة لتشريعات الوطنية الجزائرية مع المعايير الدولية في مجال القضاء على كافة أشكال التمييز العنصري، كما نوجه عناية السلطات الجزائرية إلى الضغط من اجل تبني تدابير للاعتراف بالاسترقاق التاريخي القائم على اللون ومعالجته، وربط المنح التنموية مع السلطات الجزائرية بمدى التقدم في مكافحة التمييز العنصري الهيكلي وحماية الحقوق الجماعية والفردية لساكنة المخيمات. 

ويشجع التحالف دول منطقة شمال إفريقيا على الامتثال لالتزاماتها بموجب الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، ويتجلى ذلك في فجوة التنفيذ التشريعي، والتلكؤ في الامتثال للالتزامات المقررة بموجب مسطرة الشكاوى الفردية بموجب المادة 14، وافتقار الأنظمة القضائية الوطنية لا سيما الجزائرية للاستقلالية والقدرة على معالجة الانتهاكات العنصرية، وهو ما يبرز ضعفا مؤسساتيا، يكرس بيئة من الإفلات من العقاب، ويجعل من الرقابة الدولية والضغط الأممي ضرورة حتمية لحماية الفئات الهشة والمهاجرين والنشطاء من التمييز الممنهج.

بلاغ

https://anbaaexpress.ma/ibh8g

عبد الوهاب الكاين

رئيس منظمة أفريكا ووتش Africa Watch كاتب صحفي وباحث في حقوق الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى