آراءسياسة
أخر الأخبار

بطريق الجبل و القطيع الذي مضى “الجزائر”

هذه الصورة ليست استعارة أدبية فحسب، بل هي خلاصة مشهد جيوسياسي دقيق تعيشه الجزائر اليوم، في اللحظة التي تُعيد فيها المنطقة وواشنطن ترتيب أوراقها بهدوء لافت وحزم واضح

عادل الحارتي

حين تظنّ العزلة أنها جرأة، وتحسب الانفصال عن المسار قوةً في الشخصية – تكون النهاية دوماً وحيداً على جبل لا يذكرك أحد. 

في عالم تُعاد فيه رسم خرائط التحالفات بسرعة لم تشهدها المنطقة منذ عقود، ثمة صورة أليمة تتكرر في علم السلوك الحيواني: البطريق الذي يشقّ صفوف القطيع، يتجه وحده نحو الجبل، ظانّاً أن مشيته المتأرجحة المستقلة هي علامة تميّز لا أعراض ضياع.

يبدو للناظر من بعيد أنه يقود، لكن الحقيقة أنه يتوه وحين يبلغ الجبلَ لا يجد سوى البرد والصمت. يظلّ منسياً لا يُروى عنه سوى تحذير للأجيال.

هذه الصورة ليست استعارة أدبية فحسب، بل هي خلاصة مشهد جيوسياسي دقيق تعيشه الجزائر اليوم، في اللحظة التي تُعيد فيها المنطقة وواشنطن ترتيب أوراقها بهدوء لافت وحزم واضح.

في المقابل، يُعيد المغرب تثبيت موقعه بصبر استراتيجي طويل الأمد: شراكات أمنية راسخة، صناعة دفاعية ناشئة، دبلوماسية صامتة الأثر عميقة الجذور. بينما تبدو الجارة الشرقية مشغولة بعدوّ وهمي تصنعه يداها وهي تغفل عن العقارب التي تدبّ في أروقتها الداخلية.

هنا سنرصد بلغة الوقائع لا الشعارات، خيوط مشهد بالغ الدقة: من قاعات مغلقة في واشنطن، مروراً بشمال المغرب حيث تُسمع أصوات راجمات HIMARS، وصولاً إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وعودةً إلى دهاليز الجيش الجزائري حيث تتساقط الرؤوس في صمت.

واشنطن تُعيد رسم خريطة قلبها المغرب

خلف أبواب موصدة في مراكز الفكر الأمريكية النافذة، يتكرر اسم المغرب بكثافة تثير الانتباه. لكنه لم يعد حضوراً عابراً في نقاشات الاستقرار الإقليمي التقليدية.

وفق مصادر مطلعة على بعض هذه التقارير غير المعلنة، تحوّل الحديث نحو دور مختلف جوهرياً: الرباط كمنصة استراتيجية لإعادة توازن إقليمي معقد يشمل شمال إفريقيا، الساحل، وغرب المتوسط في آنٍ واحد.

وتصف بعض هذه التقارير المغرب بأنه «العقدة الأكثر موثوقية» في المعادلة: شريك أمني يمتلك مؤسسة عسكرية محترفة، بوابة اقتصادية مفتوحة نحو إفريقيا جنوب الصحراء، وحليف قادر على ضبط توازنات متشعبة في فضاء يزداد اضطراباً.

اللافت في هذه النقاشات أنها تأتي في سياق تراجع واضح لأدوار إقليمية أخرى، بعضها بفعل الأزمات الداخلية وبعضها بفعل خيارات ذاتية أودت بصاحبها إلى عزلة أو احتقان.

في هذا الفضاء المتحرك، لا يجد المغرب نفسه مضطراً للمزايدة أو رفع الصوت يكفيه أن يكون موجوداً، فاعلاً، متاحاً. والمعادلة واضحة بقدر قسوتها: في عالَم يبحث فيه صانع القرار الأمريكي عن شركاء يُنجزون لا شركاء يتحدثون، تصبح الموثوقية عملة نادرة. والمغرب يراكمها بهدوء منذ سنوات، بينما تُبذّرها الجزائر في خطاب تحريضي لا يبني جسوراً بل يهدم ما تبقى منها.

الجيش الجزائري: يصنع عدوّاً خارجياً ليُخفي زلزالاً داخلياً

لفهم الصورة كاملة، لا بدّ من الدخول إلى ما يجري داخل الجيش الجزائري بعيداً عن الأضواء. إذ تتكشّف معطيات تُشير إلى أن مدير أمن الجيش الجديد فتح ما يُوصف بـ«حملة تطهير واسعة» تطال ضباطاً و ضباط صف بتهم التجسس لصالح جهات خارجية.

الأحكام الصادرة قاسية: إدانة ضابطين بعشرين سنة سجناً بتهمة التجسس، وتحقيقات مفتوحة مع آخرين. لكن المصادر المطلعة تؤكد أن جزءاً غير يسير من هذه التحقيقات يُستخدم كأداة لتصفية الحسابات الداخلية وإقصاء المنافسين داخل المؤسسة، لا لأسباب أمنية حقيقية.

ما يُضاعف هشاشة المشهد أن الخطاب السائد داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية بات يُروّج لسيناريوهات يصعب وصفها بغير «الوهمية»: احتمال هجوم إسرائيلي ينطلق من الأراضي المغربية، أو أن تسليح المغرب بالطائرات المسيّرة يُشكّل خطراً وجودياً مباشراً. هذه الروايات لا تُبنى على معطيات ميدانية موثوقة بقدر ما تُبنى على حاجة داخلية للتعبئة.

الأخطر أن أجواء الشك والترصد داخل المؤسسة أفضت إلى نتيجة مفارقة: خوف الضباط من استخدام التكنولوجيا الحديثة تفادياً للشبهات.

هذا التراجع التكنولوجي الذاتي المفروض بالخوف يُقزّم الجاهزية العملياتية في اللحظة التي تتسابق فيها الجيوش على استيعاب الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية.

الخطوط الجزائرية: جواز السفر كأداة استخباراتية؟

من الجيش إلى السماء. أثارت السلطات الإماراتية قلقاً بالغاً حين كشفت عن شبهات خطيرة تطال شركة الخطوط الجوية الجزائرية، وتحديداً اشتباهاً في محاولة تسهيل خروج عناصر مرتبطة بإيران عبر تزويدهم بجوازات سفر جزائرية بهدف تجاوز أنظمة المراقبة الدولية.

القضية تتجاوز الإطار الدبلوماسي المعتاد: إن صحّت الاتهامات، فإنها تضع الجزائر في موقع بالغ الحساسية أمام حلفائها الخليجيين، وأمام المجتمع الاستخباراتي الغربي الذي يرصد أي اختراق محتمل لعقوبات إيران عبر تحايلات على الهوية.

أبريل 2026 والمصير المرتقب للمينورسو

على وقع هذه التحولات الكبرى، وصل وفد رفيع المستوى من القوات المسلحة الملكية المغربية إلى نيويورك، ليعقد مباحثات مكثفة مع كبار مسؤولي الأمم المتحدة بحضور رئيس بعثة المينورسو. التوقيت مقصود: اجتماع مجلس الأمن في أبريل المقبل سيُقدّم فيه تقرير مصيري بموجب القرار 2797.

هذا القرار شكّل بنفسه تحولاً تاريخياً، إذ اعتبر لأول مرة بوضوح مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الرئيسي لأي حل سياسي واقعي، في إشارة ضمنية إلى تجاوز خيار الاستفتاء الذي بات من الماضي بعد عقود من الجمود.

الوفد المغربي لا يأتي للتفاوض على الثوابت، بل لوضع النقاط على الحروف: إما إعادة توجيه البعثة نحو دعم التنمية والاستقرار تحت السيادة المغربية الكاملة، أو تقليص مهامها غير الفعالة. أبريل 2026 لن يكون جلسة روتينية.

البطريق الذي لم يتذكره أحد

و في الختام، وعودةً إلى بطريق الجبل الذي فارق القطيع. حين صعد بثقة وكبرياء، لم يكن يعلم أن ما يبدو شجاعةً هو في حقيقته عزلة اختيارية في الوقت الخطأ، في المكان الخطأ، بالأدوات الخطأ.

وصل إلى القمة فلم يجد سوى الصمت والثلج. ولم يصل أحد ليُخبره أن القطيع واصل مسيرته بدونه، وأن العالم لم يتوقف لانتظاره.

الجزائر التي تُعبّئ جيشها لمواجهة «خطر وهمي» من الغرب، بينما تتصدّع من الداخل بفعل حملات التطهير والصراعات الصامتة، والتي تجد نفسها في دائرة شبهات دولية خطيرة، والتي تنظر إلى واشنطن تُعيد رسم خريطتها الإقليمية مُبعِدةً الرباط إلى مركزها هذه الجزائر تُعيد إنتاج قصة البطريق بكل تفاصيلها المؤلمة.

التاريخ لا يرحم من يصنع أعداءه الوهميين حين تحاصره أزماته الحقيقية. والمنطقة تتحرك بسرعة أكبر مما يتخيل من قرّر أن يصعد الجبل وحيداً.

https://anbaaexpress.ma/dflz8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى