أثار الباحث الأمريكي مايكل روبين موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي، بعد دعوته الصريحة لرئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى إنهاء ما وصفه بـ“الوجود الاستعماري” لإسبانيا في مدينتي سبتة ومليلية، معتبراً أن المغرب قادر على استعادة هاتين المدينتين دون أن يثير ذلك رداً عسكرياً من حلف شمال الأطلسي.
وجاءت تصريحات روبين ضمن مقال تحليلي نشره معهد أمريكان إنتربرايز، حيث دعا بشكل مباشر إلى ترجمة الخطاب المناهض للاستعمار إلى خطوات عملية، معتبراً أن استمرار السيطرة الإسبانية على المدينتين يتناقض مع المبادئ التي تعلنها مدريد في سياستها الخارجية.
ولم يكتفِ الباحث الأمريكي بطرح موقف نقدي، بل ذهب إلى تقديم تصور عملي لما يمكن أن يحدث، إذ أشار إلى أن على المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، أن يستلهم تجربة “المسيرة الخضراء” كخيار سلمي لإنهاء هذا الوضع، عبر تحرك ميداني غير عسكري يُفضي إلى فرض واقع جديد دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
ويرى روبين أن سبتة ومليلية تمثلان، رغم محدودية مساحتهما، “ثغرة استراتيجية” في الأمن الأوروبي، ليس فقط من زاوية السيادة، بل أيضاً بسبب تدفقات الهجرة غير النظامية التي تعرفها المنطقة، وهو ما يجعل منهما، حسب تقديره، عبئاً جيوسياسياً أكثر منهما مكسباً استراتيجياً لإسبانيا.
وفي طرحه الأكثر إثارة للجدل، اعتبر أن أي تحرك مغربي محتمل لن يجر تلقائياً تدخلاً من حلف شمال الأطلسي، مستنداً إلى قراءة قانونية لبنود المعاهدة، خصوصاً المادة السادسة، التي تحدد نطاق تطبيق مبدأ الدفاع الجماعي.
وبحسب تفسيره، فإن هذه المادة لا تشمل بشكل صريح المدينتين، ما يعني أن أي تصعيد هناك لن يُلزم الحلف برد عسكري مباشر.
هذا الطرح يعيد إلى الواجهة نقاشاً قديماً داخل الأوساط الأطلسية، خاصة بعد محاولة مدريد، خلال قمة الحلف سنة 2022، إدراج سبتة ومليلية ضمن المظلة الدفاعية بشكل واضح، وهي الخطوة التي لم تحظَ بإجماع داخل الحلف، رغم الضغوط الدبلوماسية الإسبانية آنذاك.
وتأتي تصريحات روبين في سياق دولي متوتر، يتسم بتصاعد الخلافات بين واشنطن ومدريد، خاصة في ظل مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لوّح في أكثر من مناسبة بإعادة النظر في العلاقات مع إسبانيا، ما يضفي على هذه التصريحات أبعاداً تتجاوز مجرد تحليل أكاديمي إلى رسائل سياسية محتملة.
في المقابل، لم تمر هذه المواقف مرور الكرام داخل إسبانيا، حيث أثارت ردود فعل حادة عبر مختلف وسائل الإعلام، سواء من التيارات اليمينية أو اليسارية، كما وجدت صدى لدى أوساط قريبة من جبهة البوليساريو، التي رأت فيها مؤشراً على تحولات محتملة في موازين الخطاب الدولي تجاه قضايا السيادة في المنطقة.
كما أعاد الجدل إلى الواجهة مواقف سابقة لبعض القوى السياسية الإسبانية، خاصة داخل جزر الكناري، التي حذرت من أن دعم تدخلات عسكرية دولية في مناطق أخرى قد يفتح الباب أمام “سوابق” يمكن أن تُستثمر في نزاعات إقليمية، من بينها ملف سبتة ومليلية.
في المحصلة، تكشف تصريحات روبين عن تصدع خفي في التصورات الغربية التقليدية لقضايا السيادة في شمال إفريقيا، حيث لم يعد النقاش محصوراً في الإطار الدبلوماسي الكلاسيكي، بل بدأ يتسلل إلى مراكز التفكير الاستراتيجي، ما قد يمهد لتحولات أعمق في كيفية مقاربة هذه الملفات مستقبلاً، خاصة في ظل تداخل المصالح بين الأمن والهجرة والجغرافيا السياسية.
