ما قصم ظهري إلا داء المغالطة العضال، وكيف تشتغل خوارزميات المغالط في شتى الأزمنة والأمكنة، على إنتاج هذا الصبيب من المغالطة المعدلة.
وهي كذلك معدلة، لأنها لا تموت، بل تكتسب لها مناعة بعد أن تعيش بين ثقوب الوعي إلى حين. ينبعث محتوى الجهل نفسه بكيفية أخرى. ترقيع المغالطة بكليشهات المفاهيم المتداولة في سوق المفاهيم المستعملة.
في هذا الجهل بتعبير آخر تتدارك المغالطة هناتها، تلتف على المنطق، تخترق الذهن من جديد، فلا تنتظر أن تقدم المغالطة نفسها عارية من أي واقية مغرية، بل هي كالفيروس تحتاج إلى اختراق الخلية واعتماد عناصرها الحيوية، حالة طفيلية بامتياز.
فالمغالطة تقوم بالشيء نفسه عند اختراقها للذهن، فهي تستعمل قواعد التفكير العقلاني بتمثلات مزيفة، لأنها عاجزة عن إنتاج موقف نظري أو عملي دون اختراق المفاهيم العقلانية.
إلا أن سلوك الفيروس كالمغالطة، ينكشف لمن تحقق وتدبر مليا، لأن خاصية الفيروس كخاصية المغالط هي العجز البنيوي عن الإبداع.
إن اختزالات المغالط، وهي وسيلته الغالبة، مع أن الاختزال يصار إليه عقلا عند الضرورة لفك المسار عن عملية عقلية، أجل، إن الاختزال المغالط ليس من جنس ما تقتضيه مسارات العملية العقلية، بل هو اختزال كاذب، يستغل أيضا خوارزميات القابلية للمغالطة عند من لم يخبروا طرائق البرهان الصحيح.
نحتاج إلى الاختزال كما يفعل الرياضي في لحظة التفاف على ما يستحيل تعينه (F.I) كما في تحديد الدالة (la limite d’une fonction)، وفي البحث عن القابل للاشتقاق (le derivable)، حالة ضرورية تخرجنا من اللاقياسي الرياضي الذي تفرضه حالات اللاتعيين.
لكن الاختزال المغالط هو التفاف على العقل لا على اللاقياسي، قصد عقلنته وحسابه. الاختزال المغالط هو حمار الجهل بتعبير آخر.
فالمغالطة تكبر مع صاحبها، وتواصل ترقيع نفسها، وهي في بنيتها العميقة تحتفظ بعدوانية بدائية. غالبا ما يفضح التاريخ التمسرح الرديء للمغالطة، لأن العقل أيضا يحتاج كما قلنا مرارا إلى إرادة لضمان عنصر التوجه. فإذا ما توجه العقل واستنفر جهاز التحقق، أمكنه آنذاك أن يطيح بالمغالطة، كما تطيح الخلية عند توجهها، بالفيروس.
المغالطة كالفيروس ضعيفة، لكنها تستغفل العقل. من هنا لا يكفي مجرد العقل في كبح المغالطة والجهل بتعبير آخر، بل لا بد من يقظة العقل وتوجهه، ومراقبة خوارزميات التفكير، ومحاصرته في مقدماته الرخوة والملتبسة.
لقد مرت علي فترة، كنت أشفق على رجل العلوم البحتة، الذي لم يدرك العلوم الاجتماعية. لقد كنت أعتبر أن خصوبة الخيال تحتاج إلى تدريب للوجدان، فالآداب والفنون تلهمنا الكثير، لكن ماذا عن رجل الآداب الذي لم يدرك الحد الأدنى من العلوم البحتة، كيف تنتظم خوارزمياته دون أن يدرك معنى الاستدلال الرياضي؟ ولكن في الحقيقة، إن رجل الرياضيات لو أدرك الآداب والفنون، لكان أجدر بالتقاط بعض المعاني، ففي نظري إن الآداب تلهم رجل الرياضيات والعلوم البحتة ما يحتاجه رجل العلم للتحرر من قسوة الباراديم وديكتاتوريته.
اليوم أصبحت على قناعة تامة، أن من لم يدرك البرهان الرياضي، لن تنفعه العلوم الاجتماعية، منذ كف أن يكون شرط دخول أكاديمية أفلاطون الفلسفية إدراك الهندسة.
كانت الهندسة حتى بداية النهضة الأوربية درة المعرفة، بها يضرب المثل، وبها يتباجح رواد الفكر. وبالفعل، ما كان الفيلسوف أن يكون كذلك وهو غير مدرك لروح الهندسة.
استمر الشرط الافلاطوني ردحا من الزمن تقليدا حتى تراخت الفلسفة، فأصبحت في أيدي غير أمينة. والترجمة العربية لعبارة أفلاطون الخالدة تتحدث عن الرياضيات، بينما عبارة أفلاطون الحقيقية تركز على الهندسة: (que nul n’entre ici s’il n’est géomètre)، غير أن فيلسوف اليوم أضاع الجبر والهندسة معا، لكنه أدرك الارتمتيقا، لأنه بات يحسب جيدا.
لم يكن صدر المتألهين مبالغا حين طالب بإخضاع المغالط الذي لم يعد يكترث لتناقضاته في موارد الحجاج، إلى إعادة تأهيل منطقي ورياضي كي يدرك موارد التناقض والعبث، فإذا لم ينفع معه ذلك، فلابد من تعريضه للضرب والحرق، كناية عن تفهيمه التمييز بين الشيء ونقيضه، من خلال ادراكه الفرق بين الضرب واللاضرب، بين الحرق واللاحرق، فإذا لم ينفع ذلك، فلابد من عرضه على طبيب، لعل ذلك مرده إلى غلبة المرة.
إن تفكيك هذا الصبيب من التقوال المحمول على ظهر الوسائط والميديا اليوم، يضعنا بالفعل أمام حالة من الهذيان المنطقي، ربما قد لا يثير حفيظة رجل العلم غير الآبه بالخطاب الاجتماعي، ولا رجل العلوم الاجتماعية غير المدرك لطرائق الاستدلال الصحيح.
إن هذا التضخم في الإنشاء غير المنضبط بمنطق يعزز جدواه، يحيل إلى مرض مزمن يتطلب ثورة من داخل النظام التربوي، لا مخرج لها من دون عبر _ مناهجية تعيد توزيع أوراق المعرفة وضبط خوارزميات جيل جديد، يتعين تحريره من حالة الارخبيل المعرفي غير الموصول برابطة تتيح له عبقرية التركيب، المعرفة اليوم هي الأخرى تحدد طريقة اشتغال الدماغ.
من هنا فإصلاح العقل يبدأ بإصلاح الدماغ، وهذا يقتضي إصلاح المعرفة، أي وضع خريطة معرفية بها يتحقق ما يسميه باشلار التفكير ضد الدماغ.
العالم في الخارج مركب، وهو في أذهاننا اليوم بات مجزءا. العقل مهيؤ لإدراك المركب، ولكن ما فعله النظام التربوي حتى اليوم، هو تربية العقل على التبسيط. تطورت التقنية، لكن العقل لا يزال عاجزا عن التحرر؛ تلك هي المفارقة.
