الشرق الأوسطتقارير
أخر الأخبار

الاستراتيجية الأمريكية.. في الشرق الأوسط وحدود القوة الإيرانية

سعت إيران إلى توسيع نفوذها الإقليمي والعمل على تقويض المصالح الأمريكية من خلال أدوات غير مباشرة، إلا أن هذا التوجه لم يكن مدعومًا بقاعدة قوة شاملة تمكنها من مواجهة تداعيات الصدام المباشر..

د. منصور أبو كريم

منذ خمسينيات القرن الماضي، نظرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى منطقة الشرق الأوسط باعتبارها مجالًا حيويًا لنفوذها الاستراتيجي ومصالحها العالمية. وقد استندت السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة إلى مجموعة من المحددات الأساسية، في مقدمتها ضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، وتأمين الممرات البحرية وطرق الملاحة الدولية، فضلًا عن الالتزام بحماية أمن إسرائيل باعتبارها حليفًا استراتيجيًا رئيسيًا في المنطقة.

كما أن مبدأ كارتر هو سياسة أعلنتها الولايات المتحدة عام 1980 على لسان الرئيس الأمريكي Jimmy “Carter، جاء لكي يعزز هذه الرؤية الاستراتيجية للحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة، وينص  المبدأ على أن أي محاولة من قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي تُعد تهديدًا مباشرًا للمصالح الحيوية للولايات المتحدة، وسيتم التصدي لها بكل الوسائل الممكنة بما في ذلك القوة العسكرية. جاء هذا المبدأ في ظل التوترات الدولية خلال الحرب الباردة، خاصة بعد Iranian Revolution وSoviet invasion of Afghanistan، حيث سعت الولايات المتحدة إلى حماية إمدادات النفط ومنع توسع نفوذ الاتحاد السوفيتي في منطقة الخليج، مما أدى إلى تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.

وفي ضوء هذه المحددات، أظهرت الولايات المتحدة استعدادًا واضحًا لاستخدام أدوات القوة المختلفة، بما في ذلك القوة العسكرية، في مواجهة أي نظام أو قوة إقليمية تسعى إلى تهديد هذه المصالح. وقد تجسد هذا النهج بوضوح في التعامل مع نظام صدام حسين عقب غزوه الكويت عام 1990، حيث قادت الولايات المتحدة تحالفًا دوليًا لإخراجه بالقوة، ثم عادت لاحقًا لإسقاط نظامه عام 2003 ضمن رؤية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وفق منظورها الاستراتيجي.

بعد سقوط نظام صدام حسين، برزت إيران باعتبارها أحد أبرز التحديات المحتملة للنفوذ الأمريكي في المنطقة، خاصة في ظل تبني إدارة الرئيس جورج بوش الابن، المدعومة بتيار المحافظين الجدد، سياسة خارجية قائمة على منطق القوة الصلبة واستباق التهديدات. إلا أن التحديات الكبيرة التي واجهتها الولايات المتحدة في العراق، سواء من حيث الكلفة البشرية أو الاقتصادية أو تعقيدات الواقع الأمني، حالت دون الانتقال إلى مرحلة المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران أو السعي إلى إسقاط نظامها.

في المقابل، سعت إيران إلى توسيع نفوذها الإقليمي والعمل على تقويض المصالح الأمريكية من خلال أدوات غير مباشرة، إلا أن هذا التوجه لم يكن مدعومًا بقاعدة قوة شاملة تمكنها من مواجهة تداعيات الصدام المباشر. وقد تجلى الخطأ الاستراتيجي الإيراني في السعي إلى تحدي الولايات المتحدة دون امتلاك قدرات عسكرية واقتصادية متكافئة، أو منظومة اقتصادية قادرة على الصمود طويلًا في مواجهة العقوبات والضغوط الدولية.

وفي هذا السياق، لعبت إسرائيل دورًا مهمًا في دفع الولايات المتحدة نحو تبني مواقف أكثر تشددًا تجاه إيران، وسعت إلى حشد الدعم الأمريكي لخيار العمل العسكري باعتباره وسيلة لمنع إيران من تطوير قدراتها الاستراتيجية.

غير أن موازين القوة ظلت تميل بشكل حاسم لصالح الولايات المتحدة، التي تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واقتصاديًا واسعًا، ما يجعل أي مواجهة مباشرة غير متكافئة من حيث القدرات والنتائج المحتملة.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن طبيعة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران تعكس خللًا واضحًا في موازين القوة، حيث تعتمد الولايات المتحدة على تفوقها الشامل وأدوات الضغط المتعددة للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، في حين تعتمد إيران على استراتيجيات غير تقليدية لتعويض محدودية قدراتها في المواجهة المباشرة. ويظل مستقبل هذا الصراع مرتبطًا بقدرة كل طرف على إدارة التوازن بين التصعيد والاحتواء، في ظل بيئة إقليمية ودولية معقدة ومتغيرة باستمرار .

* باحث في الشؤون السياسية

https://anbaaexpress.ma/7n3bt

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى