تعمل وزارة الدفاع الأمريكية على إعداد خطة واسعة لتعويض مخزونها من الذخائر والصواريخ التي استُهلكت خلال المواجهات العسكرية الأخيرة مع إيران، في وقت تتجه فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى زيادة الإنتاج الدفاعي بشكل ملحوظ، في إطار الاستعداد لتداعيات الصراع في الشرق الأوسط ومواجهة التحديات العسكرية المتصاعدة على أكثر من جبهة.
وبحسب مصادر مطلعة داخل دوائر القرار في واشنطن، يدرس مسؤولون في البنتاغون تقديم طلب تمويل جديد إلى الكونغرس لتغطية التكاليف المرتبطة بالعمليات العسكرية الأخيرة، إلى جانب تمويل صفقات تسليح إضافية تهدف إلى إعادة ملء مخزونات الأسلحة التي استُخدمت بكثافة خلال الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد أهداف داخل إيران.
وتشير معطيات نقلتها صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى أن التمويل المرتقب سيُخصص لاقتناء مجموعة من الأنظمة الصاروخية المتقدمة، من بينها منظومات الدفاع الجوي “باتريوت” وأنظمة “ثاد” المضادة للصواريخ الباليستية، إضافة إلى صواريخ “توماهوك” بعيدة المدى، وهي أسلحة لعبت دوراً أساسياً في العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الماضية.
استنزاف في المخزونات العسكرية
العمليات العسكرية المكثفة في الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة أدت إلى استهلاك جزء معتبر من مخزون الذخائر الأمريكية، ما وضع وزارة الدفاع أمام تحدٍ إضافي يتمثل في الحفاظ على جاهزية الترسانة العسكرية في وقت تشهد فيه القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية ضغوطاً متزايدة لتلبية الطلب الحالي والاستعداد في الوقت ذاته لاحتمالات تصاعد التوتر مع قوى دولية أخرى، وعلى رأسها الصين.
ويأتي هذا التطور في سياق توجه أوسع لدى إدارة ترامب لرفع مستوى الإنفاق الدفاعي بشكل كبير. فقد سبق للرئيس الأمريكي أن أعلن في يناير الماضي عن نية إدارته زيادة ميزانية الدفاع لتصل إلى نحو 1.5 تريليون دولار في السنوات المقبلة، وهو ما يمثل ارتفاعاً يقارب 500 مليار دولار مقارنة بالمستويات الحالية.
من جهتها، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن الجيش الأمريكي ما زال يمتلك احتياطيات كافية من الذخائر لتنفيذ العمليات العسكرية التي أطلق عليها اسم “إبيك فيوري”، مشيرة إلى أن الإدارة الأمريكية تعمل في الوقت ذاته على تسريع وتيرة إنتاج الأسلحة لتعزيز المخزونات الاستراتيجية.
كلفة عمليات عسكرية مرتفعة
وتكشف التقديرات الأولية أن الضربات العسكرية التي استهدفت إيران خلال الأيام الأولى من المواجهة كلفت الولايات المتحدة مليارات الدولارات. فوفق تحليل أعدته إيلين ماكاسكر، التي شغلت سابقاً منصب مسؤولة ميزانية البنتاغون خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب، بلغت تكلفة الأيام الأربعة الأولى من العمليات العسكرية نحو 11 مليار دولار.
وتضمنت هذه النفقات نشر قوة عسكرية كبيرة في الشرق الأوسط، شملت أكثر من 12 سفينة حربية وما يزيد عن 100 طائرة مقاتلة ودعم، انطلقت من قواعد أمريكية داخل الولايات المتحدة وأخرى في أوروبا منذ أواخر ديسمبر 2025.
وتشير التقديرات إلى أن الجزء الأكبر من هذه التكاليف يعود إلى استخدام أنظمة الدفاع الصاروخي لاعتراض الهجمات الإيرانية، حيث بلغت قيمة الصواريخ الاعتراضية التي أُطلقت لإسقاط الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية نحو 5.7 مليار دولار. كما أُنفقت قرابة 3.4 مليار دولار على القنابل وأنواع أخرى من الصواريخ الهجومية المستخدمة في الضربات.
ولا تشمل هذه الأرقام النفقات المرتبطة برواتب الجنود أو التدريب أو تكاليف تشغيل الأصول العسكرية المنتشرة في المنطقة، ما يعني أن الكلفة الإجمالية للعملية قد تكون أعلى بكثير من التقديرات الأولية.
ضغط متزايد على القدرات الدفاعية
ويعترف مسؤولون حكوميون في واشنطن بأن المواجهة العسكرية مع إيران وضعت ضغطاً واضحاً على بعض الموارد العسكرية الحيوية، خصوصاً منظومات الدفاع الصاروخي التي شهدت استهلاكاً سريعاً خلال الأيام الأولى من القتال.
وفي تعليق نشره عبر منصات التواصل الاجتماعي، أكد الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة ما تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الأسلحة المتقدمة، مشيراً إلى أن بعض الأنظمة الأكثر تطوراً تشهد طلباً مرتفعاً نتيجة الاستخدام المتزايد في العمليات العسكرية الأخيرة.
تحرك لتسريع الإنتاج العسكري
وكان البنتاغون قد بدأ بالفعل منذ العام الماضي تنفيذ خطة لتعزيز الإنتاج العسكري وتسريع تصنيع الصواريخ والأنظمة الدفاعية، في محاولة لإعادة بناء المخزونات الاستراتيجية التي تراجعت بفعل النزاعات الدولية المتتالية خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، يستعد البيت الأبيض لعقد اجتماع رفيع المستوى مع كبار مسؤولي شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية، من بينها “بوينغ” و”لوكهيد مارتن” و”آر تي إكس”، لبحث سبل رفع الطاقة الإنتاجية وتسريع تسليم الأنظمة العسكرية للقوات المسلحة الأمريكية.
كما أجرى نائب وزير الدفاع الأمريكي ستيف فاينبرغ سلسلة اتصالات مع قيادات هذه الشركات قبل الاجتماع المرتقب مع الرئيس ترامب، في خطوة تهدف إلى تنسيق الجهود بين الحكومة والقطاع الصناعي لتعزيز القدرات العسكرية الأمريكية في المرحلة المقبلة.
فجوة تمويلية داخل الكونغرس
ورغم هذه التحركات، لا تزال وزارة الدفاع تواجه تحديات مالية في تأمين الموارد اللازمة لتمويل خططها التوسعية. فقد طلب البنتاغون في نهاية العام الماضي تمويلاً إضافياً بقيمة 28 مليار دولار لدعم عقود تسليح جديدة، إلا أن الكونغرس وافق على نحو 8 مليارات دولار فقط، ما ترك فجوة تمويلية تقدر بحوالي 20 مليار دولار.
ويرى خبراء في الشؤون الدفاعية أن تحقيق الأهداف العسكرية التي تضعها الإدارة الأمريكية، بما في ذلك تطوير مشروع “القبة الذهبية” الدفاعي وبناء أسطول جديد من السفن الحربية، سيتطلب زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي خلال السنوات المقبلة.
غير أن هذا التوجه قد يواجه معارضة سياسية داخل الكونغرس، خاصة في حال تمكن الحزب الديمقراطي من استعادة السيطرة على مجلس النواب بعد الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر المقبل، وهو ما قد يفتح الباب أمام نقاش واسع حول أولويات الإنفاق العسكري الأمريكي في ظل التوترات الدولية المتصاعدة.




