أرسل لي الطبيب النطاسي (صائب شحادات) من نبراسكا ـ أوماها، فيلما قصيرا مليء بالعبرة، وهو يذكرني أيضا بقصة (الصبي والثقوب) التي أرسلتها لي ابنتي عفراء من كندا، وكذلك الشريط المعبر عن الغفران، الذي أرسله لي الأديب الأريب (علي البلوي) من أسرة تحرير المجلة فلنبدأ بالقصة الأولى:
وقفت سيدة في انتظار طيارتها، ولما حصل التأخر، أرادت الانشغال بأكل شيء من الحلوى، والقراءة لحين موعد الإقلاع.
جلست وفتحت مجلة تحبها في غرفة الانتظار. ولفت نظرها رجلا جالسا يتصفح مجلة علمية بجانبها، ولما مدت يدها إلى أول قطعة (كيك) في الكيس المفتوح، راعها أن الرجل مد يده مثلها فتناول قطعة؟!
راعها الأمر وتضايقت، وقالت إنها صفاقة ووقاحة؟ ولكنها ضبطت نفسها، ثم مدت يدها من جديد، وليس في الكيس سوى سبعا، فتناول مثلها.
وهنا بدأ الضجر والغضب يستولي عليها، من أناس يمدون أيديهم لأغراض لا تخصهم.
ولما مدت يدها للقطعة الثالثة، لحقها الرجل فتناول الثالثة مثلها؟!
بدأ قلبها يضرب، وبدأت تفكر ماذا تفعل في رجل يستولي على أغراضها بدون سؤال وشكر؟!
ولكنها تماسكت من جديد؛ فهي على سفر، ولا تريد مزيدا من التوتر والمتاعب، إلا أن الغضب كان في صدرها كالمرجل؟
ولما ابتلعت الكيك الثالث، لفت نظرها أن الرجل مد يده إلى القطعة السابعة والأخيرة من الحلوى؛ فقطعها نصفين، واكتفى بتناول النصف، وترك لها النصف الباقي؟
هنا لملمت أغراضها وحقائبها، كي لا تنفجر فلم يعد الأمر يحتمل، وكانت الطائرة قد أعلنت استعدادها للإقلاع، في الوقت الذي رمقها الرجل الكهل، بابتسامة أبوية لم تستطع تفسيرها.
وحين جلست في مقعدها بجانب النافذة، والطائرة تحلق، تتأمل زرقة السماء، والطائرة تعانق ذرى الغيوم البيضاء، في عناق غير قابل للانفكاك، مع طبقات فوق طبقات، من سحب بيضاء كالثلج؛ هنا مدت يدها لحقيبتها الجانبية، لتكتشف كيس الحلوى الذي اشترته بقطعه السبع لم يلمس بعد؟!
لقد كان إذن ما أكلت من كيس الرجل وليس كيسها؟
اعتراها الخجل حقا، فقد كان الرجل يقدم لها الحلوى بالتساوي، بدون انفعال وغضب وجنون وحماقة، نصفا بعد نصف، حتى القطعة الأخيرة، عطاء غير مجذوذ.
أدارت رأسها لتعرف أين الرجل، ولكن كان قد اختفى كما اختفت الطائرة في سحب الغيوم ذكرى للغافلين..
والطيبون لا تخلو منهم الأرض ويختفون من حياتنا بكل بساطة..
قال الطبيب شحادات: يعقب على القصة أربع لا تدرك أن فاتت:
الحجر إن قذفناه فلا يعود.
والكلمة إن نطقناها فأصبحنا عنها مسئولين.
واللحظة إن فوتناها فلا تتكرر كل حين.
والعمر إن ضيعناه فلا يعود، ولو أنشدنا قصائد الشعر، إلا ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب.
وحسب ثمانيات أيركسون في علم النفس، حينما يقسم أزمات الارتقاء الثمانية، بدءً من السنة الأولى في العمر، حين يواجه الإنسان العالم فيتكون، هل بروح المبادرة والثقة؟؟ أم الانسحاب وعدم الاطمئنان؟؟ ونهاية العمر حين تستولي الشيخوخة، وتركب الأمراض، ويعتلي العجز، ويخالط الهرم، هل يودع الحياة بالندم والآهات والحسرات؟ أم بالطمأنينة والرضا؟
وأن لا حاجة لتكرار الفيلم فيكفي الماضي شره..
والواقع يقول لنا أننا نستعجل جدا في أحكامنا فننسى ضبط النفس، ولكن من يفعل ذلك؟؟؟
أما قصة البلوي؛ فهي عن رجلين رحلا في سفر؛ فغضب الأول من الثاني؛ فضربه على وجهه، فقام المضروب بكتابة ألمه على رمال الصحراء، وهي قصة من أغنية غنتها الكندية سيلين، فلما وقع المضروب بعد حين في لجو البحر، فكاد أن يغرق فيه، كتب المنقوذ كلماته نقشا على صفحة الصخر الأصم، فلما سأله لماذا؟؟ كان جوابه يجب أن نتذكر الإساءات بكلمات على الرمال تذروها الرياح فلا يبق أثر، أما الإحسان فيجب تخليده أبد الدهر..
ولكن الواقع يقول لنا عكس ذلك بكل أسف، فنحن لا ننسى الإساءات قط، أما الإحسان فلو أحسنت للرجل الدهر كله ثم رأى منك شيئا قال لم تحسن إلي قط؟!
أما قصة عفراء عن الطفل وأبيه والمسامير فهي قصة من أعظم الأدب أفردت لها مقالة لوحدها.. وخلاصتها أو والدا احتار في نزق ولده فطلب منه أن يضرب مسمارا في الجدار مع كل نوبة غضب التزم الطفل بذلك وبعد حين توقف الاب والابن أمام جدار مرعب من ثقوب لاتنتهي.
حينها طلب منه العكس برفع مسمار بقدر يوم بدون غضب. بعد حين وقف الاثنان مع الجدار والغلام فرح بالإنجاز فلا غضب بعد اليوم. أمسك الوالد بأصبع ابنه النحيفة وادخلها في حفرة مسمار نزع في آخر يوم . قال له المسامير اختفت ولكن الثقوب مازالت موجودة كذلك جروح وثقوب الاساءات للناس.




