الشرق الأوسطسياسة
أخر الأخبار

هام: مفاوضات تحت النار.. هل تقترب الولايات المتحدة وإيران من تسوية مرحلية ؟

ويبدو أن الموقف الإيراني الحالي يندرج ضمن استراتيجية مزدوجة تقوم على الجمع بين التصعيد الميداني والمزايدة السياسية بهدف تحسين شروط التفاوض، مستفيدة من موقعها كقوة إقليمية قادرة على التأثير في حركة التجارة العالمية عبر مضيق هرمز

تقدير موقف حول دينامية التفاوض في ظل استمرار الحرب

تدخل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط أسبوعها الرابع دون تحقيق حسم عسكري واضح، في وقت تتزايد فيه الإشارات المتناقضة حول احتمال فتح مسار تفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

ففي حين يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحديث عن “محادثات جيدة” وإمكانية التوصل إلى اتفاق قريب، تصر طهران رسميًا على نفي وجود أي مفاوضات مباشرة، مبررة ذلك باستمرار العمليات العسكرية وما تفرضه من اعتبارات تتعلق بصورة الصمود والردع.

غير أن تقارير وتسريبات متعددة تشير إلى انخراط شخصيات إيرانية مؤثرة في قنوات اتصال غير معلنة، من بينها رئيس البرلمان الإيراني، ما يعكس وجود مسار تفاوضي قائم خلف الخطاب الرسمي المتشدد.

ويبدو أن الموقف الإيراني الحالي يندرج ضمن استراتيجية مزدوجة تقوم على الجمع بين التصعيد الميداني والمزايدة السياسية بهدف تحسين شروط التفاوض، مستفيدة من موقعها كقوة إقليمية قادرة على التأثير في حركة التجارة العالمية عبر مضيق هرمز، رغم ما تبدو عليه من حالة إنهاك متزايدة نتيجة الضربات العسكرية المكثفة التي طالت بنيتها العسكرية والصناعية.

وفي السياق ذاته، كثفت تركيا ومصر دعواتهما إلى خفض التصعيد، في مؤشر على تحول الملف من مواجهة ثنائية إلى عملية تفاوضية متعددة الأطراف تسعى فيها عدة عواصم إلى التأثير في مآلات النزاع.

ويُفسَّر في هذا الإطار النشاط الدبلوماسي المتزايد في المنطقة، بما في ذلك الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى مسقط، التي تُعد تقليديًا إحدى القنوات الهادئة للتواصل غير المباشر بين واشنطن وطهران.

أولًا: مسار تفاوضي غير مباشر يتشكل تحت ضغط الحرب

تشير المعطيات المتوفرة إلى أن التفاوض لم يبدأ رسميًا بعد، لكنه دخل مرحلة تحضيرية متقدمة. فقد برزت باكستان كقناة رئيسية لنقل الرسائل، خصوصًا مع الحديث عن خطة أمريكية من 15 نقطة تتناول وقف إطلاق النار، والبرنامج النووي، والقدرات الصاروخية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز.

كما تواصل سلطنة عُمان وقطر لعب دور الوسيط التقليدي، فيما دخلت الصين على خط الضغط السياسي عبر دعوات علنية لإيران للانخراط في الحوار. وفي الوقت نفسه، تشير مؤشرات إلى انخراط مؤسسات أمريكية عليا في إدارة هذا المسار، مع ورود أسماء نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو ضمن الشخصيات المتابعة للملف.

هذا التعدد في القنوات يعكس أن الملف خرج من كونه مواجهة ثنائية صرفة، وأصبح أقرب إلى عملية تفاوضية متعددة المستويات تشارك فيها قوى إقليمية ودولية تسعى إلى منع انفجار شامل في المنطقة.

ثانيًا: شروط متباعدة تعقد الوصول إلى اتفاق سريع

تسعى الولايات المتحدة إلى استثمار الحرب لفرض إطار تفاوضي واسع يشمل:

• تقييد تخصيب اليورانيوم
• الحد من القدرات الصاروخية
• تقليص النفوذ الإقليمي الإيراني
• ضمان أمن الملاحة

في المقابل، تركز إيران على:

• رفع تدريجي للعقوبات
• الإفراج عن الأموال المجمدة
• ضمانات بعدم استهداف النظام
• الحفاظ على برنامج نووي مدني
• استبعاد الملف الصاروخي من التفاوض

ويكشف هذا التباعد أن التفاوض، إن بدأ رسميًا، سيكون صعبًا وطويلًا، لأن كل طرف يرى في الحرب فرصة لإعادة صياغة التوازنات وليس مجرد إنهائها.

ثالثًا: الاستنزاف العسكري والاقتصادي يدفع نحو التفكير في التسوية

تُظهر العمليات الميدانية أن الحرب لم تتحول بعد إلى مواجهة وجودية لأي من الطرفين، لكنها أصبحت مكلفة بما يكفي لدفعهما، وخصوصًا إيران، إلى التفكير في مخرج تفاوضي.

فالضربات التي استهدفت مئات المواقع العسكرية والصناعية، إلى جانب الضغوط الداخلية والاقتصادية، ترفع من كلفة استمرار النزاع بالنسبة لطهران.

كما أن الاستنزاف يمتد بدرجات متفاوتة إلى دول الخليج التي تواجه تهديدات للبنية التحتية الحيوية واضطرابات في بيئة الاستثمار والملاحة.

وفي هذا السياق، يبرز احتمال محدود يتمثل في سعي واشنطن إلى توزيع جزء من كلفة تثبيت التهدئة على شركائها الإقليميين، لكن هذا العامل يبقى عنصرًا ثانويًا ضمن مشهد تفاوضي أوسع تحكمه اعتبارات الردع والتوازنات العسكرية.

رابعًا: الحسابات السياسية الأمريكية قد تسرّع المسار التفاوضي

قد يدفع الطابع البراغماتي للرئيس ترامب إلى البحث عن تسوية يمكن تقديمها داخليًا على أنها إنجاز سياسي واستراتيجي، خاصة في ظل المخاوف من صدمة طاقوية عالمية أو اتساع دائرة الحرب.

كما أن استمرار العمليات دون تحقيق نصر حاسم قد يعزز داخل واشنطن القناعة بضرورة الانتقال إلى مرحلة إدارة الأزمة بدل محاولة حسمها عسكريًا.

خامسًا: فرص النجاح بين الواقعية والحذر

يمكن تقدير فرص نجاح المسار التفاوضي بأنها قائمة ومؤهلة للتبلور خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة، خصوصًا إذا استمرت الضغوط الاقتصادية والعسكرية دون انزلاق إلى تصعيد إقليمي واسع، وهو السيناريو الذي يخشاه المجتمع الدولي بشدة.

وتدرك إيران هذه المعادلة، فتتبنى خطابًا متشددًا ظاهريًا، لكنه يعكس في العمق وعيًا بأن قدراتها، رغم قدرتها على الردع وإيذاء الخصوم، قد لا تكفي لتحمل ضربات طويلة الأمد قد تفضي إلى اختلال داخلي خطير يتجاوز تداعياته حدودها إلى المنطقة بأسرها.

في المقابل، يبقى خطر الفشل قائمًا إذا اتسعت العمليات أو تعثرت الوساطات أو رفضت أطراف إقليمية رئيسية شروط التسوية.

خاتمة:

تشير المؤشرات الحالية إلى أن الحرب دخلت مرحلة دقيقة يتداخل فيها التصعيد العسكري مع التحضير الدبلوماسي.

فالمفاوضات لم تبدأ رسميًا، لكنها أصبحت جزءًا من حسابات الأطراف. ومع استمرار الاستنزاف وارتفاع المخاطر الإقليمية والطاقوية، قد يتحول التفاوض من خيار سياسي إلى ضرورة استراتيجية.

غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بقدرة الطرفين على تقليص فجوة الشروط، وبمدى استعداد القوى الإقليمية والدولية لدعم تسوية تدريجية تمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع وأكثر كلفة.

https://anbaaexpress.ma/q1086

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى