منذ أن خرج الشرق الأوسط من عباءة اتفاقية سايكس بيكو، لم يعد هذا الإقليم فضاءً جغرافيا بقدر ما صار ساحة اختبار دائمة لمعادلات القوة، وكأن التاريخ قرر أن يبقي هذه المنطقة في حالة انتظار دائم لقرارٍ لا تملكه.
اليوم، ومع الحرب المفتوحة التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، لا نشهد مجرد تصعيد عسكري، بل انتقالا نوعيا من حروب الظل إلى حروب الضوء، من الوكلاء إلى الأصل، من الهامش إلى القلب.
لكن الخطأ الفادح في قراءة هذا المشهد هو اختزاله في ثنائية عسكرية سطحية. ما يجري أعمق بكثير.. نحن أمام صراع نفوذ بين مشروعين، كل منهما يسعى لإعادة تعريف الإقليم وفق منطقه الخاص.
مشروع أول، تقوده واشنطن عبر ذراعها الإسرائيلية، يقوم على إعادة تشكيل الشرق الأوسط كفضاء مدار أمنيا واقتصاديا، تعاد فيه هندسة التوازنات بما يضمن التفوق الدائم لإسرائيل، ليس فقط عسكريا، بل كعقدة مركزية في كل معادلة.
ومشروع ثان، تقوده طهران، لا بوصفها دولة فقط، بل بوصفها فكرة توسعية تستثمر في الفراغات، وتبني نفوذها عبر التشققات الطائفية والسياسية التي خلفها انهيار الدولة العربية.
بين هذين المشروعين، لا يقف العرب في موقع الحياد، بل في موقع الاستنزاف.
المفارقة القاسية أن الجغرافيا العربية لم تعد حاضنة للقرار، بل أصبحت مادة خام له. القواعد العسكرية المنتشرة في الخليج، من السعودية إلى قطر والإمارات والبحرين والكويت، ليست مجرد ترتيبات دفاعية، بل تموضع داخل معادلة ردع متبادل، يجعل من هذه الدول خطوط تماس محتملة في أي لحظة. وحين تتحول الأرض إلى منصة، يصبح الإنسان فيها مجرد تفصيل.
ليس جديدا أن تكون هذه المنطقة ساحة صراع، لكن الجديد هو أن العرب لم يعودوا حتى أطرافا في هذا الصراع. في حرب حرب 1967 خسر العرب الأرض، لكنهم كانوا حاضرين في القرار. في حرب الخليج 1991 خسروا التوازن، لكنهم كانوا جزءًا من المعادلة. أما اليوم، فهم يخسرون دون أن يستشاروا، يستنزفون دون أن يستهدفوا مباشرة، يعاد تشكيل بيئتهم دون أن يسألوا.
اقتصاديا، تبدو الصورة أكثر خداعا. ارتفاع أسعار النفط قد يمنح بعض الدول الخليجية شعورا زائفا بالربح، لكن هذا الربح يشبه أرباح الحروب القديمة التي كانت تحصى قبل أن يعاد حسابها في كلفة الخراب.
فكل اضطراب في مضيق هرمز لا يعني فقط تهديد إمدادات الطاقة، بل يعني هشاشة بنية اقتصادية كاملة قائمة على التدفق المستمر، لا على الاستقرار العميق. وحين يهتز الإيقاع، ينكشف الفراغ.
أما سياسيا، فإن أخطر ما في هذه الحرب ليس ما ستنتجه، بل ما ستخفيه. حين ينشغل العالم بصراع واسع مع إيران، تتراجع قضايا أخرى إلى الظل، وعلى رأسها فلسطين.
في هذه اللحظة بالذات، لا تحتاج إسرائيل إلى أن تنتصر عسكريا فقط، بل أن تنتصر زمنيا، أن تسرق الانتباه، أن تعيد ترتيب الأولويات العالمية بحيث يصبح ما يحدث في غزة وخطط تهويد القدس وإغلاق المسجد الأقصى تفصيلا في نشرة طويلة عن “أزمة إقليمية كبرى”.
هنا يتجلى المعنى الأعمق للصراع: ليس الهدف فقط كبح إيران أو تحجيم نفوذها، بل إعادة ضبط المجال العربي نفسه، تفكيكه، إنهاكه، وإبقاؤه في حالة سيولة دائمة.
ما يستهدف ليس الجيوش، بل القابلية للتماسك، ليست الحدود، بل فكرة الدولة ذاتها. إنها عملية استئصال بطيئة لما يمكن تسميته “خضراء العرب” تلك القدرة التاريخية على إنتاج مركز، على بناء توازن، على أن يكون للعرب وزن لا مجرد موقع.
التاريخ يعيد نفسه، لكن ليس بالطريقة التي نحب. حين صعد محمد علي باشا، بدا وكأن الشرق يستعيد زمام المبادرة، لكن مشروعه انتهى لأن البيئة من حوله لم تكن قادرة على حمله. وحين انهارت العراق بعد 2003، لم يكن ذلك مجرد سقوط نظام، بل سقوط توازن كامل فتح الباب لكل مشاريع النفوذ. واليوم، ما يحدث هو استكمال لذلك المسار: كل فراغ يُملأ، وكل ضعف يُستثمر.
الخلاصة، لا يهزم العرب لأن الآخرين أقوى فقط، بل لأنهم خارج لحظة الفعل. الصراع ليس بينهم، لكنه يدار فوقهم، والنتائج تكتب على أرضهم. وبين مشروعين يتنازعان الإقليم، يبقى السؤال معلقا.. متى يتحول العرب من جغرافيا يعاد رسمها، إلى إرادة تعيد الرسم؟



