منذ صيف 2025، دخلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرحلة غير مسبوقة من الاستنزاف القيادي والأمني، بعد سلسلة اغتيالات دقيقة طالت قادة عسكريين وأمنيين وسياسيين من الصف الأول.
هذه العمليات لم تكن مجرد ضربات تكتيكية معزولة، بل تحوّلت إلى مؤشر استراتيجي على اهتزاز التماسك الداخلي للنظام، وفتحت نقاشاً واسعاً حول طبيعة الاختراقات التي يتعرض لها.
موجة اغتيالات داخل العمق الإيراني
بدأت الموجة الكبرى في يونيو 2025 عندما تم استهداف عدد من كبار قادة الحرس الثوري وهيئة الأركان، ثم تواصلت العمليات لتشمل شخصيات سياسية وأمنية حساسة داخل طهران ومحيطها.
لاحقاً، سقطت أسماء وازنة مرتبطة بصناعة القرار الاستراتيجي، ما كشف أن القدرة على حماية النخبة الحاكمة لم تعد مضمونة كما في السابق.
هذه الاغتيالات المتتالية تعكس ثلاثة معطيات خطيرة:
• اختراق استخباراتي عميق ومتكرر.
• ضعف التنسيق بين الأجهزة الأمنية.
• هشاشة منظومة الحماية الشخصية للقيادات.
هل هو تفوق تكنولوجي خارجي أم خلل بنيوي داخلي؟
لا يمكن تفسير نجاح هذه العمليات فقط بالتفوق الإسرائيلي في مجالات:
• الذكاء الاصطناعي الاستخباراتي.
• الطائرات المسيّرة الدقيقة.
• شبكات العملاء.
بل إن التكرار الزمني وسهولة الوصول إلى أهداف عالية الحساسية يوحيان بوجود خلل بنيوي داخل النظام الإيراني نفسه.
هذا الخلل قد يرتبط بـ:
1. تعدد مراكز القوة داخل الدولة (الحرس الثوري – وزارة الاستخبارات – مكتب المرشد).
2. صراعات خفية بين التيارات العقائدية والبراغماتية.
3. اعتماد مفرط على دائرة ضيقة من القادة الكبار.
فرضية الاختراق الداخلي
تؤمن طهران نفسها بوجود شبكات داخلية متعاونة مع خصومها، حيث أعلنت مراراً عن اعتقال أو إعدام أشخاص بتهمة التعاون مع أجهزة أجنبية.
لكن السؤال الأعمق هو: هل نحن أمام خلايا اختراق فردية أم أمام تآكل أوسع في الولاء داخل مؤسسات الدولة؟
بعض المؤشرات تدفع إلى الاعتقاد بأن:
• جزءاً من النخبة غير العقائدية قد يرى في إضعاف النظام فرصة لإعادة تشكيل السلطة.
• قطاعات من المجتمع قد لا تعارض ضرب القيادات المرتبطة بالقمع أو الأزمات الاقتصادية.
انعكاسات على صورة الردع الإيراني
ضرب القيادات داخل الأراضي الإيرانية أحدث صدمة نفسية واستراتيجية:
• تراجع هيبة الدولة إقليمياً.
• قلق لدى الحلفاء مثل الفصائل المرتبطة بإيران.
• تشجيع الخصوم على مواصلة سياسة “الاستنزاف القيادي”.
في المقابل، قد يدفع ذلك النظام إلى:
• تشديد القبضة الأمنية.
• زيادة عسكرة الحكم.
• تصعيد خارجي لتعويض فقدان الردع الرمزي.
الحالة الموازية: حزب الله
شهد حزب الله بدوره سلسلة اغتيالات طالت قياداته العسكرية والسياسية العليا خلال 2024-2026.
استمرار استهداف القيادات يولّد:
• ارتباكاً في التسلسل القيادي.
• صعوبة في التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.
• اعتماداً أكبر على القرار الإيراني المركزي.
هل هناك تنسيق أمريكي إسرائيلي؟
المعطيات تشير إلى وجود تعاون عملياتي واستخباراتي وثيق، خاصة في مجال:
• الأقمار الصناعية
• اعتراض الاتصالات
• إدارة الضربات الجوية
لكن الأهداف ليست متطابقة بالكامل:
• إسرائيل تركز على “تفكيك رأس النظام”.
• واشنطن تميل إلى إضعاف القدرات العسكرية والنووية دون دفع نحو انهيار فوضوي.
مستقبل النظام الإيراني: ثلاثة سيناريوهات
1. الصمود المتشدد: تعزيز دور الحرس الثوري وتحويل الدولة إلى نموذج أمني مغلق.
2. انتقال داخلي بطيء: صعود جيل جديد من القيادات أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية.
3. تفكك تدريجي للنفوذ الإقليمي: استمرار الضربات يؤدي إلى تراجع شبكة الحلفاء والردع.
خلاصة: سلسلة الاغتيالات ليست مجرد نجاح تكتيكي لخصوم إيران، بل تكشف عن أزمة تماسك داخلية عميقة.
النظام ما زال قادراً على البقاء، لكنه أصبح:
• أكثر هشاشة نفسياً.
• أكثر اعتماداً على القوة الأمنية.
• أقل قدرة على التحكم بمسار الصراع.
وهذا قد يجعل المرحلة المقبلة أخطر، لأن الأنظمة التي تشعر بالاختراق تميل غالباً إلى التصعيد بدل الانكفاء.




