ذلك للأسباب التالية:
من ناحية اللغة العربية ورسمي الخط القراني العربي والموازي له من الآية: {سنقرئك فلا تنسى} سورة الأعلى، السين تفيد الاستمرار، ولأن الهمزة هنا جاءت على النبرة للتأكيد وليس للتقريب ولا للتمثيل، فإذا كانت تحت النبرة ككلمة (يومىذ) فتكوت غير محددة الزمن ومرادها العموم والتشبيه وتقريب المعنى، لكنها هنا أكددت أنه يقرأ ويكتب.
لم يمارسهما في حياته – الكتابة والقراءة – قط، ولم يرد عنه أنه روى أي قصة أو رواية أو موقف أو حكاية أو أسطورة أو أقصوصة أو نكتة أو شرح مسألة أو أجرى حواراً مع أي أحد أيَّاً كان ولا خلافه لا من قريب ولا من بعيد، لقوله تعالى: {وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك، إذا لارتاب المبطلون * بل هو آيت بينت في صدور الذين أوتوا العلم ، وما يجحد بايتنا إلا الظالمون} سورة العنكبوت،
ذات الآية أعلاه، تثبت لنا كلمة (من قبله) ما نفيناه آنفاً من عدم تلاوته لأي موقف تاريخي أو ما أشبه، وفي ذات الوقت تثبت أيضاً من بعده أي من بعد ما أنزل القرآن على قلب النبي محمد عليه السلام أنه مارس الكتابة والقراءة بشكل طبيعي للغاية،
ما جاء في السير من عدم معرفته للكتابة أو القراءة عند تفسيرهم لآية ” الأمي” او كما ورد في صلح الحديبية من أنه قال لعلي بن أبي طالب: (مرني عليها يا علي) يعني مرر اصبعي فوق الكلمة ليمحها، أو كما جاء من شُرَّاح الآية (النبي الأمي) سورة الأعراف، من أنه أمي لا يعرف الكتابة والقراءة، فهذا موضع مراجعة ورفض كبيرين بنص الآية الكريمة ولا يحتاج عندي إلى دليل أكبر من ذلك،
الأمر المهم هنا والمثير للتساؤل هو : كيف يتأكد النبي أو أراد أن يصحح ما دوَّنه كُتَّاب الوحي من الصحابة رضوان الله عليهم من القرآن إذا لم يكن يجيد الكتابة والقراءة ؟ فمن الطبيعي عند مراجعة أي مدونة الرجوع والتأكد على صحتها وموافقتها للمراد من ذوي العلم والخبرة وصاحب الشأن لا أن تترك سدى دون ضبط أو تعيين أو تحقيق أو تخضع لتدقيق وخلافه، فهذا أبسط علوم البحث العلمي عندنا في العصر الحاضر، وإلا لما وصل إلينا القرآن بهذه الدقة الدقيقة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها،
ما انتبهت إليه وأنا أكتب هذا الفصل من الكتاب، كيف عرف كُتَّاب الوحي التفريق بين رسم الكلمة الواحدة في المواضع المختلفة وخصوصاً الأحرف: همزة النبرة (ورسمت بأربعة طرق: على النبرة، تحت النبرة، بدون نبرة، على السطر) كقوله تعالى: (متكءين)، والألف الثابتة المستعاض عنها في بعض الكلمات بالألف الخنجرية الصغيرة ك “ملك / مالك”، والواو بواو صغيرة ك “الغاو ُ ن”، والياء الصغيرة فوق الياء الثابتة من أصل الكلمة ك “الاميىن / النبيىن”، أو مثلاً حذف ألف واو الجماعة ك “جاءو بالإفك”، فهذا يستدعي التأمل والتدبر بلا شك،
العرب في القرن السابع الميلادي كانوا على قاعدة لغوية معرفية عميقة لأبعد الغايات، مما حدا بهم أن يفرقوا لا بين اختلاف رسم الكلمة الواحدة بطريقين مختلفين بل بنطقها حيث مرمى دلالتها المرادة، فوظيفة الكلمة لا تحديد المعنى، لكن بما يتفق للسامع المتلقي مراد المتكلم الناطق لها لمقصودها من مدى فهمه لها بطبيعة الحال، وهنا في تقديري الشخصي الإعجاز الحقيقي للغة العربية نفسها من أن تصور الفكرة العامة للمتلقي من المتكلم بحيث لا يخطئ رسمها كيفما أريد لها،
كُتَّاب الوحي، أو كَتَبَةُ الوحي، يمتلكون لا ناصية اللغة والمفردة والفهم اللغوي وتعمق جذر الكلمة فقط، بل هم على درجة من الأمانة الأخلاقية السامية التي استأمنهم عليها النبي الكريم في كتابة الوحي فوق تصور العقل الطبيعي، بحيث لم يكن لهم بحال من الأحوال أن يغيروا أو يحاولوا أن يغيروا في حرف واحد أو طريقة رسمه من طريق السهو أو الغفلة أو النسيان أو اللامبالة أو خلافه، فدرجة ضبط الحرف الإملائي العربي عندهم لأي مفردة بين دفتي المصحف الشريف من الدقة الدقيقة بشكل يستدعي الاستغراب والتعجب والاطمئنان والتأكد على سلامة النص كيفا تم رسمه بلا أدنى ذرة شك، وليس أدل من ذلك عندي حين لم يكتبوا البسملة أول سورة التوبة فلم يطمأنوا لها أذكَرها رسول الله أم لم يذكرها، في حين أنهم لو كتبوها ما انتبه إليها أحد، فلله درهم من أصحاب أمناء،
{سنقرئك فلا تنسى} سورة الأعلى، فلا تنسى، أي غير قابل لا للنسيان فحسب بل ولا حتى لقابلية السهو والخطأ والغفلة وعدم الانتباه وما إلى ذلك، في ذهنه ولا حتى في تشتيت صورة رسم الحرف والكلمة والكلام والعبارة والجملة فتتشابه عنده الحروف أو تقارب الكلمات أو تداخل السطور أو مجرد التشكيك فيشكل عليه التباساً عدم التاكد او الاضطراب او المراجعة من جديد من كيفية طريقة تركيب وترتيب وتشابك الأحرف مع بعضها البعض لتعطي كلمة واحدة ولا في رسمها بأى شكل كانت بصورة مخلة للمعنى أو للسياق والصياغ العامين للكلمة بخطيها العربي المعروف والقرآني المرسوم، فكل ذلك وزيادة غير وارد في فكره أو مخيلته أو ذاكرته أو خلافه، فتأمل،
{النبي الأمي} سورة الأعراف، لا تعني الجاهل أو خلافه كما في المخيلة الذهنية للعقل الجمعي الموروث، – حاشا لله – بل من معانيها: المقصد والمرجع والملاذ والمصدر وما أشبه، مصدر الكلمة “أمَّ” يعني قصد وطلب ورجع ولاذ واستكان واطمأن وهلم جرا، ومن معانيها: الأممي، أي الشمولي لكل الأمم والشعوب باختلاف زمانها ومكانها فهو نقطة مركز دائرة الوجود للبث الروحي والفكري والمعرفي والنفسي للأشياء والأحياء، فهو يكتب ويقرأ كأحسن ما تكون الكتابة والقراءة بلا أدنى شك فهو المعلم الأول والأخير للإنسانية قاطبة بلا استثناء، قال تعالى: {وقرءانا فرقنه “لتقرأه” على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} سورة الإسراء،
أبعد من ذلك جداً، يعرف كل لغات أهل الأرض من طريق معرفة منطق الناس لأي حرف كان أو لأي لغة كانت مكتوبة كانت أم مرسومة أو منطوقة ناهيك عن معرفته بلهجات العرب من حوله، إذ أن منطق الناس – أي نطقهم لأي لغة كانت أو حرف كان – ذات مصدر واحد يختلف اختلاف مقدار لا نوع، وهذا المقدار هو التنوع والتعدد والاختلاف لألسنة الناس كلهم لذات النطق اللساني الواحد (مثل ما أنكم تنطقون)، وليس بحديث: [أمن أم بر أم صوم أم سفر] ببعيد عن الأذهان،
النبي محمد عليه السلام، لا يتتعتع في الكلام ولا يهمهم ولا يتمتم ولا يتلعثم ولا يتذكر ولا يسترجع ذاكرته ولا يأخذ هنيهة للتفكير والرد ولا يعيد كلمة ولا حرفاً ولا يسهو عن محدثه ولا يرجع إليه باستدراك ويفهم الكلام من أول مرة ولا يتحدث كثيراً ولا طويلاً ويختصر الكلام اختصاراً ولا ينطق إلا حقَّاً وكان كثير التبسم قليل الضحك ولا يخرج صوتاً ولا يقهقة إذا ضحك ويقول: [أدبني ربي فأحسن تأديبي] ويقول: [تخلقوا بأخلاق الله فإن ربي على سراط مستقيم].




