“أحيانا لا يعاد التاريخ، بل يعاد استخدامه”.
لم أكتب في هذا الموضوع من قبل، ليس لأنني لا أملك ما يقال، بل لأنني أعرف أن بعض الملفات لا تفتح بنصف معرفة ولا بنصف موقف.
ولا يتعلق هذا الطرح بأي مذهب أو جماعة بعينها، بقدر ما يتناول أنماط التفكير حين تتحول إلى أدوات صراع.
قضيت قرابة ثلاث سنوات في دراسة قضايا العقيدة والفرق الباطنية، قراءة هادئة بعيدة عن الانفعال، وكنت أتعمد الابتعاد عن الكتابة فيها، لأن الخوض فيها دون ميزان دقيق يتحول بسرعة إلى فوضى اتهامات لا تنتج فهمًا.
لكن ما يحدث اليوم لم يعد مجرد نقاش فكري يمكن تأجيله.
هناك خطاب يتكرر، يتبدل في الشكل، لكنه يحتفظ بروحه. نراه في بعض المنابر الإعلامية، وفي تصريحات شخصيات ثقافية وفنية، وفي محاولات متكررة لإعادة تفسير قضايا تاريخية محسومة أو شبه محسومة، بطريقة توحي بالجرأة، لكنها في كثير من الأحيان تخفي انتقائية واضحة.
ليس الإشكال في إعادة القراءة، فذلك حق مشروع، بل في الخلفية التي تُدار منها هذه القراءة.
القرامطة، في جوهرهم، لم يكونوا مجرد جماعة خرجت على سياقها التاريخي، بل نموذجا لفكرة تقوم على تفكيك المعنى من داخله. والسبئية، بغض النظر عن الجدل حول تفاصيلها، تعكس لحظة مبكرة لاستعمال التأويل في إنتاج الانقسام. هذه ليست قضايا منتهية، بل أنماط تفكير تعود كلما وجدت من يحملها، حتى وإن تغيرت الأسماء والوسائط.
وجدير بالذكر، تُعدّ حركتا القرامطة والسبئية من أبرز الظواهر التي أثارت الجدل في التاريخ الإسلامي، رغم اختلاف سياقهما وطبيعتهما.
فالقرامطة، المرتبطون بالداعية حمدان قرمط، ظهروا في القرن التاسع الميلادي كحركة إسماعيلية ذات طابع ثوري، تحدّت سلطة الدولة العباسية، وخلّفت أحداثًا بارزة في التاريخ، من أشهرها الهجوم على مكة سنة 930م، وسرقوا الحجر الأسود.
في المقابل، تُنسب السبئية إلى عبد الله بن سبأ، وهي جماعة يُختلف حول وجودها التاريخي، ارتبطت ببدايات الفتنة الكبرى وبأفكار غالية تجاه علي بن أبي طالب.
وبينما مثّلت القرامطة حركة سياسية وعسكرية ذات تأثير ملموس، تبقى السبئية أقرب إلى رواية تاريخية خلافية، ما يجعل المقارنة بينهما قائمة على التمييز بين واقع موثّق وجدال تاريخي مستمر.
ما يلفت الانتباه اليوم ليس وجود الاختلاف، بل طبيعة هذا الاختلاف.. كيف يدار، ولصالح من يوظف. هناك خيط رفيع بين النقد الذي ينضج الفهم، وبين الطرح الذي يخلط الأوراق ويربك الوعي.
بعض الخطابات التي تقدم اليوم تحت عنوان “التحرر من السرديات التقليدية” لا تسعى إلى البناء بقدر ما تميل إلى الهدم، أو على الأقل إلى إضعاف الثقة بكل ما هو مستقر.
حين اندلعت الثورة السورية، ظن كثيرون أنها لحظة سياسية بامتياز، لكنها كشفت، لمن تابعها بعمق، طبقات أخرى من الصراع. لم يكن الأمر مجرد مواجهة بين نظام ومعارضة، بل بين رؤيتين للعالم، وطريقتين في فهم الدين والسياسة والإنسان.. هناك ظهرت بعض هذه الأيديولوجيات بوضوح، لا في الكتب، بل في السلوك والمواقف، في تبرير العنف، وفي إعادة تعريف العدو والصديق وفق منطق لا يخلو من توظيف عقدي.
وفي المشهد الإقليمي الأوسع، حيث تتقاطع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يصبح من الضروري التفريق بين إيران كحضارة ضاربة في التاريخ، وبين النظام الذي يدير سياستها اليوم.
هذا النظام، في لحظات كثيرة، لا يتحرك فقط بدافع الدفاع، بل أيضا بمنطق توسيع النفوذ، مستفيدا من هشاشة الإقليم، وأحيانا من تناقضات خصومه.
لكن اختزال كل ما يحدث في نظرية مؤامرة واحدة سيكون تبسيطا مخلا. المنطقة تعيش صراع مصالح معقد، تتداخل فيه حسابات القوى الكبرى مع مشاريع إقليمية، ومع هشاشة داخلية في عدد من الدول. وفي هذا السياق، يصبح الخطاب الفكري أداة موازية، لا تقل تأثيرا عن الفعل العسكري.
ما يقلقني ليس فقط ما يقال، بل كيف يستقبل. حين يفقد المتلقي القدرة على التمييز بين النقد والتشكيك، بين البحث العلمي والتوظيف الأيديولوجي، يصبح أي خطاب قابلًا للمرور. وهنا تحديدا يبدأ الخلل الحقيقي.
لا أدعو إلى إغلاق باب النقاش، ولا إلى تحصين الأفكار من النقد، فذلك ضد طبيعة الفكر نفسه. لكنني أدعو إلى وعيٍ بالسياق أن نسأل دائمًا، من أين تأتي هذه الأطروحات، وعلى أي أرضية تقف، وما الذي تريد الوصول إليه. لأن الفكرة، قبل أن تكون رأيا، هي مسار.
التاريخ لا يستخدم فقط لفهم الماضي، بل أحيانا لإعادة تشكيل الحاضر. ومن لا ينتبه إلى ذلك، قد يجد نفسه جزءا من معركة لا يعرف كيف بدأت، ولا إلى أين تنتهي.
المسألة ياسادتي الكرام ليست دفاعا عن سردية بقدر ما هي دفاع عن القدرة على الفهم. لأن أول ما يستهدف في لحظات الاضطراب، ليس الجغرافيا.. بل المعنى.





مقال رائع ومهم وطرحه عقلاني ويتمايز ويتماهى مع هذه الفترة الصعبة تمر بها المنطقة نعم أنا ما تشغيل الفكر والمنطق لفهم حيثيات الصراع القائم الآن أظنه سيأخذ المنطقة لتغيير جيوسياسي لطالما رأيناه ولكن غيرنا رفض فالعالم مله ذاهب لمفترق طرق مخيف واحدى صوره الحروب والصراعات الحاصلة الآن الخوض فيها يحتاج لفهم عميق ما يقلقني المتلقي العربي لها .هل سيكون واعيًا ويعطي كل جزئية حقها من الفهم والتحليل دون الانجراف لبؤرة الطائفية والعنصرية والتخوين …تاريخنا العربي حافل ولكننا للأسف اعتدنا تناول الأحداث كل حسب أهوائه وميوله وطاىفته وهذا سبب انحدارنا واليوم نعم نملك فرصة لنصلح أخطاء الماضي كلها نفهم ونحلل ليس بمنطق الحيز التاريخي والسياسي فقط لأننا سنكفةدى على وجوهنا مرة أخرى يجب أن يكون منطق المصالح والاقتصاد والسيطرة على الممرات والمنافسة التجارية الحاصلة حاضر وبقوة فهمنا هو ما سيقرر أهدافنا وردات فعلنا يجب أن تفعل لنكون حاضرين .