آراءسياسة
أخر الأخبار

الرياض تنذر طهران.. نفد صبرنا “تحليل”

كانت هناك محاولات متكررة من المملكة لمدّ يد الأخوة للإيرانيين، وآخرها اتفاق بكين، لكن الجانب الإيراني لم يقابل هذه اليد الممدودة بمثلها”.

فوجئت كل دول المنطقة، لا سيما الخليجية منها، بقدرة إيران على إسقاط المحرمات، وإقران القول بالفعل، واستباحة مدن وشوارع آمنة لدى البلدان المجاورة، واستدراج الحرب إلى دول مجلس التعاون، وكذلك العراق ولبنان وتركيا وأذربيجان وغيرها.

أدخلت إيران، عبر “حزبها”، لبنان في أتون نكبة جديدة، فيما تولّت القدرات الدفاعية العسكرية الخليجية ردّ الاعتداءات المتعمدة الصادرة عن قرار ممن تبقّى من قيادة في طهران.

بالمقابل تولّت السعودية ترتيب فضاء سياسي مواكب في الخليج يتمدّد إلى فضاءات جيوستراتيجية واسعة.

استضافت الرياض، الأربعاء، اجتماعاً وزارياً تشاورياً استثنائياً لوزراء خارجية مجموعة من الدول العربية والإسلامية. دعت السعودية إلى اجتماع طارئ وزراء خارجية 12 دولة: أذربيجان، البحرين، مصر، الأردن، الكويت، لبنان، باكستان، قطر، السعودية، سوريا، تركيا، والإمارات. ولم يكن صعباً استنتاج أن أغلب تلك الدول نالته، بدرجات متفاوتة، نيران حرب لا علاقة لها بها.

لم تكن طهران جزءاً من الاجتماع، ولم تُوجَّه لها دعوة لحضوره، بما يؤشر إلى الدرك الذي انزلقت إليه علاقات السعودية والمنطقة مع إيران. وكان الهدف الرسمي للاجتماع، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية السعودية، “المزيد من التشاور والتنسيق حيال سبل دعم أمن المنطقة واستقرارها”، مع التركيز على مواجهة “التصعيد الإيراني” وتعزيز التنسيق الإقليمي للحماية من تداعيات الحرب.

أصدر الاجتماع بياناً نهائياً مشتركاً أكد عناوين أهمها:

1- إدانة الاعتداءات الإيرانية المتعمدة باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على دول الخليج العربية، والأردن، وأذربيجان، وتركيا، معتبرين أنها استهدفت مناطق سكنية وبنى تحتية مدنية لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة أو شكل.

2- التشديد على ضرورة التزام إيران الكامل بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ومبادئ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم استخدام إمكاناتها العسكرية لتهديد دول المنطقة.

3- التأكيد على حق الدول المعنية في الدفاع عن نفسها وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

4- مواصلة التشاور بما يكفل بلورة المواقف المشتركة واتخاذ ما تقتضيه الحاجة من تدابير وإجراءات مشروعة لحماية أمنها واستقرارها وسيادتها، ووقف الاعتداءات الإيرانية الآثمة على اراضيها.

5- التأكيد على ضرورة التزام إيران بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2817 (2026)، الذي أدان الهجمات، والدعوة إلى تفعيل الدبلوماسية كسبيل لحل الأزمات.

6- التأكيد على دعم أمن واستقرار ووحدة أراضي لبنان، وتفعيل سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، ودعم قرار الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة، والإعراب أيضاً عن إدانة عدوان إسرائيل على لبنان وسياستها التوسعية في المنطقة.

لكن ما لم تقله ديباجات البيان الدبلوماسية قاله وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان. وبدا أن في اللغة غضباً وعتباً ولهجة إنذار، وشبه إعلان عن سقوط “اتفاق بكين” الذي رعت إبرامه الصين في 10 آذار 2023، وتقادم نصوصه. ويكفي تأمل العناوين البارزة للخطاب السعودي الجديد على لسان وزيرها:

1- إن “صبرنا على الاعتداءات الإيرانية ليس بلا حدود”.
2- إن “إصرار إيران على انتهاك مبادئ حسن الجوار أدى إلى تآكل الثقة بها إقليمياً ودولياً”.
3 “إذا اعتقدت إيران أن دول الخليج غير قادرة على الرد فحساباتها خاطئة.. التصعيد يقابله تصعيد”.
4- “المملكة تحتفظ بحقها في اتخاذ إجراءات عسكرية إذا لزم الأمر”.
5- “استهداف الرياض خلال وجود دبلوماسيين لم يكن صدفة” (في إشارة إلى هجمات صاروخية استهدفت المدينة أثناء الاجتماع، تعاملت معها الدفاعات الجوية).
6- “السلوك الإيراني هو امتداد لسجل تاريخي قائم على نهج الابتزاز”.
7- “استمرار الاعتداء على دول الجوار لن يحقق لطهران أي مكاسب، بل سيؤدي إلى نتائج عكسية تفاقم من معاناتها وتكلفها ثمناً سياسياً يزيد من عزلتها”.
8- “إيران لم تكن يوماً شريكاً استراتيجياً للمملكة، وكان يمكنها أن تصبح كذلك لو تخلّت عن أفكار الهيمنة الإقليمية وتصدير الثورة واستخدام القوة”.
9- “كانت هناك محاولات متكررة من المملكة لمدّ يد الأخوة للإيرانيين، وآخرها اتفاق بكين، لكن الجانب الإيراني لم يقابل هذه اليد الممدودة بمثلها”.

بدا أن ما صدر بعد الاجتماع عن عدد من وزراء الخارجية يكشف -إلى جانب تصريحات الوزير السعوي- مزاجاً حقيقياً لأجواء المناسبة الطارئة.

توالى وزير خارجية الكويت جراح الجابر، ووزير خارجية تركيا حقان فيدان، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، ووزير خارجية مصر بدر عبد العاطي، ووزراء آخرون، على استخدام عبارات “الإدانة” والتلويح بـ”حق الرد”، والتلميح إلى “الالتزامات الدفاعية المشتركة” واحتمالات تفعيلها.

تستبعد مصادر دبلوماسية أن يكون الاجتماع خطوة أولى نحو انخراط عسكري مباشر في حرب إيران في الوقت الراهن. ولم يتضمن البيان والتصريحات المتفرقة أي إشارة صريحة إلى عمل عسكري مشترك، لكن الاجتماع وجّه إنذاراً لإيران حمل مجموعة من الرسائل:

1- الهجمات الإيرانية غير مبرَّرة حتى لو ادّعت طهران أنها موجهة ضد قواعد أميركية أو أهداف عسكرية.
2- تمتلك دول الاجتماع حق الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
3- الهجمات الإيرانية لم تعد قضية خليجية ثنائية، بل قضية إقليمية متعددة الأطراف.
4- عبارات مثل “اتخاذ ما تقتضيه الحاجة من تدابير وإجراءات مشروعة لحماية أمنها واستقرارها وسيادتها” تفتح الباب نظرياً لتصعيد تدريجي من دون الذهاب بالضرورة إلى تحالف هجومي واسع أو حرب شاملة.

لكن الاجتماع وجّه رسالة أشمل مصدرها الرياض، وترعى السعودية مضامينها: تتموضع المنطقة، ببعديها العربي والإسلامي، مجتمعة للإمساك بمسارات الحرب، وخصوصاً ما بعدها.

ويؤسس الاجتماع العربي-الإسلامي، بعد ذلك الخليجي، لتراكم مواقف وتدابير وقرارات لمواكبة تحوّلات جيوسياسية، قد تكون تاريخية في المنطقة الواسعة، بحيث لا ينبغي أن تقررها الولايات المتحدة وإسرائيل، أو أي تفاهمات مهندسة مع إيران، أياً كان شكل نظامها وتحولاته المحتملة في طهران.

https://anbaaexpress.ma/e76ta

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى