في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تحركات دبلوماسية يقودها لتأسيس إطار تحالفي واسع، يتجاوز حدود الشرق الأوسط ليشمل أطرافاً آسيوية وأوروبية وإفريقية، في خطوة تعكس مسعى إسرائيلياً لإعادة صياغة موقعها الجيوسياسي بعد مرحلة من الضغوط غير المسبوقة.
وبحسب ما أعلنه مكتب نتنياهو، تقوم الفكرة على إنشاء شبكة متعددة الأطراف توصف داخلياً بأنها أقرب إلى “منظومة سداسية”، تضم دولاً من مشارب مختلفة، بينها الهند، إضافة إلى شركاء إقليميين في العالم العربي وإفريقيا، فضلاً عن اليونان وقبرص ودول آسيوية أخرى لم يُكشف عنها رسمياً.
ويقدَّم هذا التوجه باعتباره استجابة لتحديات أمنية مشتركة في مواجهة ما تصفه الحكومة الإسرائيلية بمحاور “راديكالية” في المنطقة، سواء ذات طابع شيعي أو سنّي.
الهند في قلب الرؤية الجديدة
تحظى العلاقة مع الهند بموقع متقدم في هذا التصور. فقد أشار نتنياهو إلى زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، تتضمن إلقاء خطاب في الكنيست وبحث ملفات تعاون تمتد من التكنولوجيا المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، إلى مجالات الدفاع والاقتصاد والطاقة.
وتأتي هذه الخطوة في سياق تطور متسارع شهدته العلاقات بين الجانبين خلال العقد الأخير، حيث تحولت نيودلهي إلى أحد أبرز الشركاء التجاريين والعسكريين لتل أبيب في آسيا.
ويقرأ مراقبون هذا الانفتاح الإسرائيلي المتزايد على قوى آسيوية صاعدة باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لتنويع الشركاء وتقليص الاعتماد الحصري على المظلة الغربية، في ظل تحولات النظام الدولي وتزايد الانتقادات الأوروبية والأممية للسياسات الإسرائيلية.
خلفية الحرب وتداعياتها
تتزامن هذه التحركات مع استمرار تداعيات الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023 عقب هجوم فصائل المقاومة الفلسطينية بقيادة حماس على جنوب إسرائيل، وما تبع ذلك من عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة في قطاع قطاع غزة. الحرب، التي امتدت لعامين، خلّفت أرقاماً إنسانية صادمة، مع سقوط عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى ودمار واسع طال البنية التحتية المدنية، ما أثار موجة إدانات دولية غير مسبوقة واتساع نطاق التحركات الشعبية المناهضة لإسرائيل في عواصم غربية عدة.
في هذا المناخ، تبدو مبادرة “التحالف الإقليمي” محاولة لإعادة صياغة السردية السياسية للصراع، عبر نقله من إطاره الفلسطيني–الإسرائيلي إلى إطار أوسع عنوانه مواجهة التطرف وإرساء “استقرار إقليمي” تشترك فيه دول ذات مصالح متقاطعة.
أبعاد استراتيجية ورسائل سياسية
من الناحية التحليلية، يمكن قراءة المشروع الإسرائيلي المقترح من زاويتين متكاملتين. الأولى أمنية، تتعلق ببناء شبكات تعاون استخباراتي وعسكري لمواجهة تهديدات عابرة للحدود، سواء من جماعات مسلحة أو من قوى إقليمية منافسة.
والثانية سياسية، تسعى إلى كسر صورة العزلة الدولية التي تعززت خلال الحرب، وإظهار إسرائيل كجزء من محور “عقلاني” يضم دولاً ذات ثقل اقتصادي وديمغرافي.
غير أن هذه الرؤية تصطدم بعدة تحديات. فالدول العربية التي يُلمّح إلى إشراكها لم تصدر مواقف رسمية تؤكد انضمامها إلى إطار تحالفي بهذا الوضوح، كما أن الرأي العام في العديد من هذه البلدان لا يزال شديد الحساسية تجاه مسار التطبيع في ظل استمرار الحرب وتعثر المسار السياسي للقضية الفلسطينية.
إضافة إلى ذلك، فإن توسيع التحالفات ليشمل دولاً آسيوية وأوروبية لا يغيّر من حقيقة أن جوهر الصراع ما زال مرتبطاً بالملف الفلسطيني، وبمستقبل الدولة الفلسطينية الذي يظل محل تجاذب سياسي ودبلوماسي داخل المؤسسات الدولية.
بين الطموح والواقع
يبدو أن نتنياهو يراهن على معادلة مزدوجة.. تعميق الشراكات التكنولوجية والاقتصادية مع قوى صاعدة مثل الهند، وتوسيع نطاق التعاون الأمني مع أطراف إقليمية، في محاولة لبناء شبكة مصالح تجعل من إسرائيل فاعلاً يصعب تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط الجديد.
لكن نجاح هذه المقاربة يظل رهيناً بقدرتها على تجاوز معضلة الشرعية السياسية في الإقليم، وعلى إقناع الشركاء المحتملين بأن التحالف المقترح ليس مجرد أداة ظرفية لإدارة تداعيات حرب غزة، بل إطار طويل الأمد يعالج جذور التوترات، لا مظاهرها فقط.
و تكشف مبادرة “التحالف الإقليمي” عن سعي إسرائيلي لإعادة هندسة موقعها في خريطة التحالفات الدولية، غير أن اختبارها الحقيقي لن يكون في عدد الدول المنضمة إليها، بل في قدرتها على الصمود أمام تعقيدات الصراع التاريخي في المنطقة وتوازناته المتغيرة.




