عبدالله فضّول
بين مرارة التجربة الإنسانية المتمثلة في مكابدة الشدائد، وبين حلاوة الامتداد الروحاني في ملكوت الله، تولد حقيقة الصمود الذي لا ينكسر؛ ولعل ما يدفعني اليوم لتدبيج هذه السطور ليس مجرد الرغبة في الكتابة، بل هو نداء الواجب المهني والوجداني لأستاذٍ أمضى عقوداً في حراسة لغة الضاد، ويريد الآن أن يضع خلاصة صراعه مع الحياة وسكينته مع القرآن بين يدي كل روحٍ باحثة عن اليقين.
فما أقسى أن يجد المرء نفسه يصارع أمواج الحياة بعنف دون جدوى، حيث تتحول المقاومة المتسرعة إلى قيد يشد الوثاق ويفتح ثغرات ينفذ منها الألم. فالمجهودات حين تضيع عبثاً تترك في النفس ندوباً لا يداويها إلا قرار شجاع بالاستسلام للمصير، ليس ضعفاً بل بحثاً عن تلك السكينة التي تعوضنا عن كل أوصابنا وتفاهة العثرات التي واجهتنا.
وحين يظن البعض أنهم استنفدوا كل موارد الضيق والتحامل، يكتشفون متأخرين أنهم قد وصلوا بنا إلى حالة من التجمد النفسي حيث لا يؤثر الألم ولا يحتمل العناء زيادة ولا تلطيفاً، بل يصبح صمودنا الصامت هو الحصن الذي نعلنه في وجه كل ضيم.
وفي هذه اللحظة الفاصلة التي تخرس فيها لغة البشر القاصرة، ندرك أن تلك السكينة التي افتقدناها في صراعاتنا السابقة لا نجد مستقرها الحقيقي إلا في رحاب لغة القرآن الكريم، ذلك المرفأ الذي يحول عجزنا الإنساني إلى قوة إيمانية باذخة.
فبينما كان تخبطنا في مقاومة القدر يزيد من شقائنا، نجد في تدبر آيات الله لغةً تنفذ بجزالتها إلى السويداء لتعيد بناء ما تهدم من وجداننا، فتنسجم آلامنا القديمة مع يقيننا الجديد في لوحة واحدة، حيث يتحول الاستسلام للمصير من حالة انكسار أمام الظروف إلى حالة ارتقاء في حضرة الخالق.
ليصبح القرآن هو الرحلة التي تأخذنا من ضيق النزاعات البشرية إلى سعة العوالم الكونية الفسيحة، ومن ضيق صدور البعض إلى عظمة التدبير الإلهي الذي يجعل من كل خيبة أملٍ سابقة جسراً نحو طمأنينة لا تنتهي.
إن لغة الضاد في محراب الوحي لا تمنحنا بلاغة الكلمة فحسب، بل تمنحنا بلاغة الوجود، فتبدد بسلطانها غبار الزيف الذي يحاول الزمان إلباسه لنا، لنكتشف أننا برغم كل ما مر بنا من تجارب قاسية، نظل في معية الله كراماً بكرم كتابه، وأعزاء بعزة آياته التي تسافر بنا إلى ما قبل الزمان وإلى ما بعده.
وهكذا، يظل هذا العنوان (مرفأ الكلمة وسكينة المصير) هو المبتدأ والخبر في رحلتي؛ فإذا كانت الكلمة في القرآن هي المرفأ الذي أوينا إليه بعد صخب الأمواج وعناء التجديف في بحر الحياة، فإن سكينة المصير هي الجائزة الكبرى التي نلناها حين توقفنا عن مقاومة أقدار الله العادلة.
لقد أدركتُ، كأستاذ للتعليم الثانوي التأهيلي و(مبحرٍ )في لغة الضاد، أن الكلمة حين تلتقي باليقين لا تعود مجرد أصوات وحروف، بل تصبح وطناً يسكننا ونسكنه، فما عادت العواصف تخيف سفينةً عرفت أن مرساها الحقيقي ليس في الأرض، بل في كلماتٍ سماوية تجعل من التسليم قدراً، ومن الرضا حياة، ومن المصير سكينةً لا يملك بشرٌ أن يسلبها منا أبداً.




