أولا قبل كل شيء بعد التفاعل الكبير الذي عرفه الجزء الأول من هذا الملف، والذي أشار بأن غار جبيلات ليس “عملاقًا نائمًا” كما يُروَّج، بل مشروع مثقل بمشاكل الجودة والكلفة والجدوى، والذي فضح بالدليل الدعاية الإعلامية الكاذبة، ووضع الوقائع التقنية والاقتصادية في مكانها الصحيح، بعيدًا عن الخطاب التعبوي الرسمي.
لهذا ننتقل في هذا الجزء الثاني إلى تفكيك البعد غير المُعلن في مشروع غار جبيلات، والذي يتجاوز الحسابات الاقتصادية الفاشلة، ليلامس رهانات جيوسياسية عميقة، مرتبطة بإعادة هندسة المجال الترابي في محيط تندوف، ومحاولة إغلاق أحد الملفات المؤجلة في العلاقة المغربية-الجزائرية، والمتعلق بما يُعرف بـالصحراء الشرقية.
ومن هذا المنطلق، ننشر الجزء الثاني حول: غار جبيلات وإغلاق ملف الصحراء الشرقية: البعد غير المُعلن في الحسابات الجزائرية.
حيث لم يعد إدراج منجم غار جبيلات ضمن المشاريع الكبرى للدولة في الجزائر يُقرأ فقط من زاوية التنمية أو تنويع القاعدة الإنتاجية، رغم فشله المسبق، بل بات يعكس – في عمقه – توجّهًا استراتيجيًا هدفه الأساسي تحصين أحد أكثر المجالات الجغرافية حساسية في العلاقة مع المغرب، وتحديدًا ما يرتبط بملف “الصحراء الشرقية”.
فمن الناحية الجغرافية، يتمركز غار جبيلات في محيط تندوف، وهي منطقة ليست مجرد فضاء منجمي معزول، بل تقع في قلب نطاق ظلّ، تاريخيًا وسياسيًا، جزءًا من الإشكال الحدودي غير المغلق نهائيًا بين الجزائر والمغرب، رغم اتفاقيات الترسيم اللاحقة للاستقلال.
كما أن هناك اتفاقية سنة 1972 بين العاهل المغربي الراحل وبومدين، المتعلقة بالحدود المغربية-الجزائرية، والتي نصّت على استغلال مشترك لمنجم غار جبيلات بين المملكة المغربية والجزائر، مع التصدير عبر الموانئ المغربية على المحيط الأطلسي.
وللإشارة أُبرمت الاتفاقية المغربية-الجزائرية المتعلقة بمنجم غار جبيلات في 15 يونيو 1972 بالرباط، في سياق اتفاق ترسيم الحدود بين البلدين عقب التوترات التي أعقبت حرب الرمال، وذلك بحضور وفد من الدول الإفريقية ضمن فعاليات اجتماع منظمة الوحدة الإفريقية.
وقد نُشرت الاتفاقية في الجريدة الرسمية الجزائرية بتاريخ 15 يونيو 1973، قبل أن يُصادق عليها المغرب لاحقًا في 22 يونيو 1992. ونصّت الاتفاقية، في أحد أهم بنودها، على الاستغلال المشترك لمنجم غار جبيلات عبر إحداث شركة مغربية-جزائرية مشتركة تُقسم فيها حصص الاستثمار والاستغلال بنسبة 50% لكل طرف.
من نزاع حدودي صامت إلى مجال سيادي مغلق
الوظيفة الأساسية غير المعلنة لمشروع غار جبيلات تتمثل في نقل المنطقة من وضع “الهامش الحدودي الحساس” إلى وضع “الفضاء السيادي الاقتصادي الكامل”.
هذا الانتقال لا يتم عبر الخطاب السياسي أو القانوني، بل عبر أدوات مادية صلبة، أهمها:
• إدماج المنطقة في شبكة بنية تحتية وطنية ثقيلة (سكة حديد، منشآت صناعية، قواعد لوجستية)،
• خلق منظومة تشغيل واستقرار بشري دائم،
• ربط الموقع مباشرة بالمراكز الصناعية والمالية للدولة.
في الجغرافيا السياسية، يشكّل هذا النمط من الاستثمار وسيلة لإنتاج ما يُعرف بـ«السيادة الواقعية»، أي سيادة تُفرض بالأمر الواقع المادي، وليس فقط بالخرائط أو النصوص القانونية.
الصحراء الشرقية في قلب الحسابات
تعلم دوائر القرار في الجزائر أن أي نقاش سياسي مستقبلي حول الصحراء الشرقية سيمرّ جغرافيًا عبر مناطق مثل تندوف وغار جبيلات، المعروفة تاريخيًا بانتمائها للمغرب.
ومن ثمّ، فإن تحويل هذه المناطق إلى فضاءات صناعية استراتيجية طويلة الأمد يحقق ثلاثة أهداف متداخلة:
– أولًا، نزع الصفة الحدودية عنها، وتحويلها إلى مجال اقتصادي داخلي صرف.
– ثانيًا، ربط مستقبل المنطقة عضويًا بالدولة المركزية من خلال شبكات استثمار وبنى تحتية لا يمكن فكّها دون كلفة سياسية ومالية كبرى.
– ثالثًا، تعقيد أي مقاربة تفاوضية مستقبلية محتملة، عبر رفع منسوب “كلفة إعادة الطرح” بالنسبة لأي نقاش ترابي.
بعبارة أخرى، لا يجري فقط استغلال منجم، بل يُعاد إنتاج المجال الترابي نفسه بمنطق اقتصادي–أمني يمنع عمليًا إعادة فتح الملفات التاريخية المرتبطة بالصحراء الشرقية.
لماذا غار جبيلات تحديدًا؟
الخصوصية التي يتمتع بها غار جبيلات مقارنة بمناطق حدودية أخرى تكمن في كونه يسمح بدمج عنصرين في آن واحد:
• عنصر الثروة الطبيعية ذات الرمزية السيادية،
• وعنصر الاستثمار الثقيل طويل الأمد.
هذا الجمع يمنح المشروع مشروعية داخلية، ويُخرج أي قراءة له من إطار الجدل الحدودي المباشر، عبر تغليفه بخطاب التنمية والعدالة المجالية.
تقاطع غير مباشر مع ملف الصحراء الغربية المغربية
لا يمكن فصل هذا التوجّه عن التحولات التي يعرفها ملف الصحراء الغربية المغربية.
ففي الوقت الذي يتجه فيه ميزان الاعترافات الدولية تدريجيًا لصالح الطرح المغربي، تسعى الجزائر إلى تحصين الجبهة الترابية الأخرى التي ترى أنها أكثر حساسية على المدى البعيد، أي مجال الصحراء الشرقية.
وبذلك، تتحول سياسة الاستثمار في غار جبيلات إلى جزء من مقاربة جغرافية أوسع، هدفها تثبيت خطوط سيطرة غير قابلة للمراجعة مستقبلًا، وتعويض التراجع النسبي في القدرة على التأثير في مسار النزاع غربًا.
الخلاصة: غار جبيلات، في هذا المستوى من القراءة، ليس مجرد مشروع منجمي، بل أداة لإغلاق أحد الملفات الترابية المؤجلة في الذاكرة السياسية المغاربية.
فالجزائر لا تراهن من خلاله على مردودية اقتصادية، فاشلة بامتياز، بقدر ما تراهن على ترسيخ واقع جغرافي جديد يجعل من إعادة طرح ملف الصحراء الشرقية أمرًا شديد الكلفة، سياسيًا واستراتيجيًا، مهما تغيّرت السياقات الإقليمية مستقبلًا، في خضم وضع إقليمي واقتصادي هش يعاني منه النظام الجزائري.




