آراءسياسة
أخر الأخبار

اليسار الفلسطيني في زمن التراجع.. بين المواقف المبدئية والتحولات المرحلية

بينما يواصل اليسار الفلسطيني تركيزه على نقد تجربة أوسلو ومنظمة التحرير، فإنه يتجنب الحديث عن التداعيات المباشرة لأحداث السابع من أكتوبر وما خلفته من أزمات للشعب الفلسطيني، رغم كونه جزءًا أصيلًا من الكارثة، وشريكًا في استمرار حرب الإبادة من خلال المراهنات الخاسرة التي كان يوفر لها غطاء سياسي وإعلامي

د. منصور أبو كريّم

على مدار تطور الحركة الوطنية الفلسطينية، شكّل اليسار الفلسطيني حلقة مهمة من حلقات النضال الوطني، فكان له دور رائد في العمل المسلح والسياسي والثقافي، واعتُبر رافدًا أصيلًا من روافد الحركة الوطنية الفلسطينية.

لكنه، خلال السنوات الماضية ومنذ أوسلو، تقوقع في بؤرة فكرية محددة: معارضة الاتفاق، وغاب عن الفعل السياسي الحقيقي.

لم يخرج اليسار الفلسطيني بعد من أزمته المستمرة منذ أوسلو، فهو لا يزال عالقًا في الماضي، يرى في الاتفاق نكبة جديدة، ويتجنب مواجهة الواقع الراهن للقضية الفلسطينية وما خلفته أحداث السابع من أكتوبر من أزمات وكوارث.

هذا التمسك بالماضي جعل من الخطاب اليساري عاجزًا عن مجابهة التحديات السياسية والاجتماعية الملحة، وعكس غياب استراتيجية واضحة للتكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية.

تجربة اليسار الفلسطيني كانت تاريخيًا رحلة معقدة بين القومية، الاشتراكية، والليبرالية. بدأ حاملًا لفكرة القومية والتحرر الوطني، وانخرط لاحقًا في مشاريع اشتراكية تعكس طموحه في العدالة الاجتماعية والمساواة، قبل أن يشهد بعض فروعه تحولات ليبرالية، تركز على الانفتاح الاقتصادي والبرجماتية السياسية، ما أسهم في انقسامات داخلية بين التيارات والممارسات العملية.

على صعيد التحالفات الإقليمية، لم يكن اليسار الفلسطيني بمعزل عن تقلبات السياسة الإقليمية. فقد مر بتحالفات مع النظام السوري، والليبي، والعراقي في مراحل معينة لنقد توجهات القيادة الفلسطينية نحو التسوية السياسية، وتبنى سياسات متباينة حتى بدا في مراحل لاحقة كأنه «يرتمي» في أحضان الحلف الإيراني بحثًا عن دعم خارجي، ما زاد الشكوك حول استقلاليته السياسية وازدواجية مواقفه، وجعل من التيار شريكًا غير مباشر في أزمات المنطقة، وزاد هشاشة موقفه أمام الجماهير.

خلال الأيام الأخيرة، ظهر أحد قادة القوى اليسارية على قناة إخبارية عربية للحديث عن أوسلو باعتباره مصدر الأزمات، رغم كونه جزءًا من سلطة أوسلو ويتقاضى رواتب من مؤسساتها، في موقف يعكس ازدواجية المواقف السياسية.

هذا الانقسام بين القول والفعل، بين النقد الرمزي والمكاسب الشخصية، يوضح بجلاء الأزمة الداخلية التي يعانيها اليسار الفلسطيني، ويزيد من التباعد بينه وبين الجماهير التي تنتظر دورًا فاعلًا في مواجهة التحديات.

خلال الأسابيع الأخيرة، شاركت في نقاش سياسي حول إمكانية إعادة إحياء التيار الثالث في الساحة الفلسطينية، اعتمادًا على قوى اليسار، وكان تقيمي أن هذه المحاولة لن يكتب لها النجاح مثل التجارب السابقة، لأسباب عديدة، أهمها تفكك هذه القوى وتراجع تأثيرها الشعبي، وتحولها إلى تجمعات نخبوية عديمة التأثير، إضافة إلى تمسكها بالأبعاد الأيديولوجية التي ما زالت تحدد مواقفها لكل الظواهر السياسية والاجتماعية.

بينما يواصل اليسار الفلسطيني تركيزه على نقد تجربة أوسلو ومنظمة التحرير، فإنه يتجنب الحديث عن التداعيات المباشرة لأحداث السابع من أكتوبر وما خلفته من أزمات للشعب الفلسطيني، رغم كونه جزءًا أصيلًا من الكارثة، وشريكًا في استمرار حرب الإبادة من خلال المراهنات الخاسرة التي كان يوفر لها غطاء سياسي وإعلامي.

خلال أشهر الحرب، لم يصدر أي فصيل من فصائل اليسار بيانًا يندد بالمواقف السياسية التي قادت شعبنا إلى هذه النكبة الجديدة، رغم حرص هذه القوى على لوم السلطة وحركة فتح في كل مناسبة، فماذا يبرر صمتها عمّا جرى في غزة بينما تتصدر المشهد في الضفة؟

إلى جانب ذلك، يظل الخطاب اليساري غالبًا عدميًا، يركز على نقد الماضي دون تقديم بدائل عملية أو رؤية واضحة للتعامل مع المرحلة الحالية. هذا الواقع يجعل مهمة إعادة بناء الدور السياسي للتيار تحديًا صعبًا، لكنه ضروري إذا أراد أن يتحول من مجرد ناقد إلى فاعل سياسي قادر على استعادة المبادرة والمصداقية أمام الشعب الفلسطيني.

في النهاية، مواجهة التحديات المرحلية تتطلب من اليسار الفلسطيني تجاوز الجمود التاريخي، والانتقال من المواقف المبدئية فقط إلى استراتيجيات عملية وفعالة، تجمع بين النقد البناء والفعل السياسي الملموس، مع استلهام التجارب السابقة في التحولات الفكرية والتحالفات الإقليمية، ليظل صوتًا مؤثرًا في مسار القضية الوطنية الفلسطينية.

* كاتب وباحث سياسي فلسطيني 

https://anbaaexpress.ma/xxt80

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى