تقاريرمغاربة العالم
أخر الأخبار

المغاربة في إسبانيا بين تحديات البطالة والهدر المدرسي.. حضور ديمغرافي قوي وإدماج مهني متعثر

لا تقف التحديات عند سوق الشغل، بل تمتد إلى المجال التعليمي، حيث يحذر التقرير من مستويات مقلقة للهدر المدرسي في صفوف أبناء المهاجرين المغاربة،

تسلط دراسة حديثة صادرة عن المعهد الملكي الإسباني “إلكانو” الضوء على واقع المهاجرين المغاربة في إسبانيا، كاشفة عن مفارقة لافتة تتمثل في كونهم أكبر جالية إفريقية في البلاد وأكثرها رسوخًا تاريخيًا، مقابل استمرار مؤشرات مرتفعة للبطالة والهشاشة التعليمية مقارنة بباقي فئات المهاجرين والسكان الأصليين.

التقرير، الذي تناول علاقة الهجرة الإفريقية بسوق الشغل الإسباني، يضع الجالية المغربية في قلب نقاش متجدد حول تحديات الإدماج الاجتماعي والاقتصادي.

وتفيد المعطيات بأن معدل البطالة في صفوف المغاربة يصل إلى نحو 27 في المائة، وهو مستوى يتجاوز بكثير المعدل المسجل لدى الإسبان، كما يفوق المعدلات المسجلة لدى مهاجرين من مناطق إفريقية أخرى.

ويعكس ذلك، وفق قراءة تحليلية، تراكب عوامل متعددة تشمل طبيعة القطاعات التي يشتغل فيها المغاربة، ومستويات التأهيل التعليمي، إضافة إلى صعوبات الاندماج المهني في بعض المجالات ذات القيمة المضافة العالية.

وتبرز الفجوة بشكل أوضح لدى النساء المغربيات، إذ تشير البيانات إلى انخفاض ملحوظ في نسبة مشاركتهن في سوق العمل مقارنة بغيرهن من المهاجرات.

ويُعزى ذلك، حسب خلاصات الدراسة، إلى عوامل اجتماعية وثقافية مرتبطة بطبيعة الأدوار الأسرية، فضلاً عن محدودية فرص العمل المناسبة، ما يجعل نسبة النشاط المهني لدى المغربيات من بين الأدنى داخل فئات الهجرة الإفريقية.

ولا تقف التحديات عند سوق الشغل، بل تمتد إلى المجال التعليمي، حيث يحذر التقرير من مستويات مقلقة للهدر المدرسي في صفوف أبناء المهاجرين المغاربة، خصوصًا خلال مرحلة ما بعد التعليم الإلزامي.

فرغم أن هذه النسب تبقى أقل من تلك المسجلة لدى بعض الجاليات الإفريقية الأخرى، فإنها تظل أعلى مقارنة بالشباب الإسباني، ما يعكس استمرار فجوة تعليمية قد تنعكس لاحقًا على فرص الاندماج المهني.

ويلاحظ التقرير أيضًا تباينًا داخليًا داخل الجالية المغربية نفسها، إذ يبدو أن الفتيات المغربيات يحققن نتائج تعليمية أفضل نسبيًا مقارنة بالذكور، الذين يواجهون معدلات أعلى من الانقطاع المبكر عن الدراسة.

هذا المعطى يُطرح بوصفه مؤشرًا على تحولات اجتماعية داخل الجالية، لكنه في الوقت ذاته ينذر بتزايد هشاشة فئة من الشباب الذكور في سوق العمل مستقبلًا.

ومن زاوية المستوى التعليمي العام، تشير الدراسة إلى أن نسبة مهمة من المغاربة البالغين لم تستكمل مراحل التعليم الأساسية، بينما تظل نسبة الحاصلين على شهادات جامعية محدودة مقارنة بباقي مجموعات المهاجرين. ويؤثر هذا العامل مباشرة في طبيعة الوظائف المتاحة، التي غالبًا ما تتركز في قطاعات تتسم بعدم الاستقرار وانخفاض الأجور.

ويظهر الحضور المغربي بوضوح في القطاع الفلاحي الإسباني، خاصة في مناطق الزراعة المكثفة جنوب البلاد، حيث يشكل العمال المغاربة نسبة معتبرة من اليد العاملة. غير أن هذا التركز القطاعي لا يوازيه تحسن ملموس في ظروف العمل أو مستويات الدخل، إذ تبقى الوظائف الزراعية من بين الأكثر هشاشة من حيث الاستقرار المهني والأجور.

وتكشف بيانات الضمان الاجتماعي الإسباني عن فجوة ملحوظة في مستويات الأجور بين المغاربة والإسبان، إذ تظل دخول العمال المغاربة أقل بشكل واضح من المتوسط الوطني، مع اتساع الفارق أكثر لدى النساء، اللواتي يسجلن أدنى مستويات الدخل مقارنة بمختلف الجنسيات الأخرى العاملة في إسبانيا.

ورغم هذه التحديات، يبرز تحول ديمغرافي مهم يتمثل في تزايد عدد أبناء المهاجرين المغاربة المولودين داخل إسبانيا، ما يجعلهم أحد أبرز مكونات الجيل الثاني من المهاجرين. هذا التطور يعكس استقرارًا طويل الأمد للجالية المغربية، لكنه يطرح في الوقت ذاته أسئلة حول قدرة السياسات العمومية على ضمان إدماج تعليمي ومهني ناجح للأجيال الجديدة.

وتخلص الدراسة إلى أن الهجرة المغربية لم تعد ظاهرة مؤقتة، بل أصبحت جزءًا بنيويًا من النسيج الاجتماعي الإسباني. غير أن استمرار البطالة والهشاشة التعليمية يظل تحديًا حقيقيًا، يستدعي مقاربات متكاملة تشمل التعليم والتكوين المهني وسياسات الإدماج، بهدف تحويل الثقل الديمغرافي للجالية المغربية إلى رافعة اقتصادية واجتماعية بدل أن يتحول إلى مصدر هشاشة مستدامة.

https://anbaaexpress.ma/lyw89

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى