آراءمجتمع
أخر الأخبار

التجاهر بالإفطار في رمضان.. بين النص القانوني وحدود الحرية

منير لكماني – ألمانيا

مع كل اقتراب لشهر رمضان في المغرب، يعود النقاش حول الإفطار العلني: هل هو حرية فردية خالصة، أم فعل يمس المجال العام بما يثير حساسية اجتماعية ودينية؟ وبين من يقرأ المسألة من زاوية الحقوق، ومن ينظر إليها من زاوية حماية السلم الإجتماعي، يبقى من الضروري التمييز بين الرأي والقاعدة القانونية. فالقانون لا يحسم القناعات، لكنه يرسم حدود السلوك في الفضاء العمومي، ويحدد متى يصبح الفعل موضوع مساءلة.

النصّ القانوني: الفصل 222

المرجع الأساسي في هذه المسألة هو الفصل 222 من القانون الجنائي المغربي، وهو نص صريح يحدد أركان الفعل والعقوبة المترتبة عنه. ونصه كما يلي:

“كل من عرف باعتناقه الدين الإسلامي وتجاهر بالإفطار في نهار رمضان في مكان عمومي، دون عذر شرعي، يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وبغرامة من إثني عشر إلى مائة وعشرين درهماً.”

دلالة هذا النصّ دقيقة: فالمشرع لم يذهب إلى تجريم “الإفطار” باعتباره فعلا قد يقع في نطاق خاص، وإنما ركز على التجاهر والمكان العمومي وغياب العذر الشرعي، أي على أثر الفعل حين يتحول إلى سلوك علني يتجاوز صاحبه إلى الآخرين.

الركن المادي: العلنية هي جوهر المساءلة

الركن المادي يتمثل في إظهار الإفطار أمام العموم: في شارع، أو مقهى، أو مرفق مفتوح للناس، أو أي مكان يعد عموميا بحكم استعماله وولوج الجمهور إليه.

ومع تطور وسائل التواصل، قد تتخذ العلنية شكلا رقمياً أيضا عندما يقدم الإفطار بصورة مقصودة على أنه تحد أو استعراض داخل فضاء يشاهده الناس على نطاق واسع.

أما الإفطار في البيت أو في مكان لا يطلع عليه العموم، فلا ينسجم مع غاية النص، لأن القانون لا يطارد الحياة الخاصة، بل يتدخل عندما يصبح الفعل علنيا وقابلا لإحداث توتر أو استفزاز.

الركن المعنوي: القصد ووعي الفاعل

لا تقوم الجريمة على الفعل وحده، بل تحتاج إلى نية. ومعنى ذلك أن يكون التجاهر بالإفطار مقصودا وعن علم بطبيعة الشهر ومكانته، وبأن القانون يعاقب على هذا السلوك حين يقع علنا. وفي المقابل، يتراجع الحديث عن القصد عندما توجد ظروف تفسر السلوك تفسيرا مشروعا أو اضطراريا.

فالقانون، كما يفهم من عبارته، يربط التجريم بغياب العذر الشرعي، ما يعني أن الضرورة أو الإكراه أو الحالة الصحية قد تقلب الوصف القانوني أو تمنع قيام المسؤولية.

العذر الشرعي: مساحة إنسانية داخل القاعدة

عبارة “دون عذر شرعي” ليست تفصيلا شكليا، بل هي قلب التوازن في النص. فهناك من يفطر لمرض أو سفر أو ظرفٍ قاهر، وهؤلاء لا ينظر إليهم بوصفهم متعمدين لإخلال اجتماعي، بل بوصفهم أصحاب حالة تقدر بقدرها.

والوعي المدني هنا يقتضي أمرين: ألا يتحول العذر إلى ذريعة للتحدي، وألا يتحول النقاش إلى قسوة إجتماعية على من اضطرتهم ظروفهم إلى الإفطار.

مطلب التعديل: حق مشروع ومسار مؤسسي

قد يطالب البعض بمراجعة الفصل 222، وهذا أمر يدخل في نطاق النقاش الديمقراطي. غير أن الفرق كبير بين الدعوة إلى التغيير وبين تجاهل القانون.

فالتعديل لا يتم بالشعارات أو الضغط الإعلامي وحده، بل عبر المسار التشريعي: اقتراح أو مشروع قانون، نقاش داخل المؤسسات، تصويت، ثم نشر رسمي. ما دام النص قائماً، فإن احترامه ليس موقفا فكريا بقدر ما هو التزام مدني يرسخ فكرة الدولة والقانون.

بين احترام المجتمع وصون النقاش

خلاصة القول إن الفصل 222 يعبر عن محاولة لتحقيق توازن بين الحرية الفردية واعتبارات النظام العام في سياق إجتماعي يقدر رمضان ويمنحه مكانة خاصة.

احترام القانون يحفظ الإنسجام ويخفف الإحتكاك، وفي الوقت نفسه لا يغلق باب النقاش حول التطوير. هكذا تتجسد المواطنة: إلتزام بالقواعد القائمة، ومسؤولية في طلب تغييرها بالوسائل المشروعة، دون استفزاز أو فوضى.

https://anbaaexpress.ma/ankhz

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى