آراء
أخر الأخبار

احك يا شكيب.. بكائيات

أما التباكي، فأصبح في زماننا عملة تجلب بها الأصوات والتعاطف. كم من رئيس حزب أو نقابة، عندما يغادر، يستجلب الدموع ويصطنعها حبا في العودة..

كثيرة هي الحالات التي يبكي فيها الإنسان، ولكن تختلف من شخص لآخر ومن موقف لآخر، وهناك حالات يتباكى فيها الإنسان، بمعنى آخر يتظاهر بالبكاء أو يتصنع البكاء لمصلحة في نفسه ولقصد وهدف مسطر بعناية.

لكن يبقى البكاء هو فعل إنساني عفوي، لا إرادي، يحدث جراء حدث مفرح أو محزن. هل نعتبره ضعفاً أم قوة؟ الجواب يكون حسب الحدث أو الواقعة.

جلسات المحاكم بعد إصدار الأحكام، جميع المتهمين يبكون؛ منهم من يبكي وهو مظلوم، ومنهم من يبكي وهو ظالم.

موظفون غادروا وظائفهم بعد نهاية مشوار عملهم بدموع حارقة، وودعهم زملاؤهم أيضاً بدموع حارقة، ومنهم من بكى وهو يغادر عمله، لا بكاء له لما كان عليه من سلوك آذى به كل من تعامل معه.

كم موظف عادي أو سامي أقيمت لهم حفلات وداع وكأنها عرس فرح وهدايا وتختتم ببكاء حارق، وكم من موظف لم يلتفت زملاؤه لمغادرته، بل لم يودعوه.

موظف معروف بجديته وطيبوبته، خدوم، كان يشتغل بمؤسسة شبه عمومية، كان ضحية زميل له دس له وثائق وقعها، وبعد مدة ليست باليسيرة طفت إلى السطح سرقات بالملايين، فاعتقل الموظف الطيب وحوكم بسنوات ذات عدد، الشيء الذي جعله يعيش حالة اضطراب نفسي. فلما قضى مدة محكوميته، خرج من السجن وظل يداوم على زيارة زملائه في العمل، وهم يرحبون بقدومه ويبكون حرقة على ما صار عليه ظلماً.

وتشاء الأقدار أن ينتقم القدر له، ممن كان سبباً فيما وقع له من سجن ومرض، بأن أصاب ابن الموظف بحادثة خطيرة، فقد معها الحركة وألزمته الفراش، ومات الموظف الطيب، وبعد مدة قليلة توفي زميله الذي ورطه، بعد أن دخل في حالة اكتئاب لم تمهله طويلاً حسرة وندامة على ما قدمت يداه.

أما التباكي، فأصبح في زماننا عملة تجلب بها الأصوات والتعاطف. كم من رئيس حزب أو نقابة، عندما يغادر، يستجلب الدموع ويصطنعها حبا في العودة، أما الذي انتهى مشواره فهو يبكي لأنه سيصبح نكرة؛ لا هاتف يرن، ولا استقبال يليق، ولا زيارات، ولا “عراضات”، ولا إكراميات، ولا مجاملات، يصبح كالأرض القاحلة في فترة جفاف، بعدما كانت ذات خضرة موسمية لم تدم.

وأختم اقتباساً ببيت من أشعار ابن الرومي مع تعديل طفيف: “بكاؤكم يشفي ولا يجدي”، و”دوام الحال من المحال”.

https://anbaaexpress.ma/xcb5z

شكيب مصبير

كاتب وفنان تشكيلي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى