أولاً، نتائج أولية عن أهرامات الجيزة:
قبل الدخول في التفاصيل حول الموضوع أعلاه، والخاص بمقارنة تاريخية بين المنطقتين الجيزة والبجراوية من ناحية بناء الأهرامات، وصلت إلى الآتي مبدئياً:
أهرامات الجيزة ليست من صنع الإنسان أو بناء المصريين القدماء أو الفراعنة حسب ما جاء في التواريخ القديمة أنها أسسها المصريون الأوائل بين (3000 ق م – 2500 ق م / 2600 ق م – 2500 ق م)، بل هي من صنع الله الذي أتقن كل شيء، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} سورة فاطر.
طبيعة الأرض الجيولوجية في منطقة الجيزة ليست حجرية صخرية بل طينية زراعية إلى حجرية رسوبية، وللمتأمل يجد أثر ذلك في تصدعات المباني باستمرار أو هبوطها في أحسن الحالات، ويعرف عندنا في الهندسة المدنية بـ settlement.
حتى قبل مائة سنة من الآن كانت هناك ترعة تصل حتى ما وراء منطقة الأهرامات اليوم، بالتحديد سنة 1897، وكانت تسمى بفُم الليمون أو الكوم الأخضر، وتسقي المنطقة الواقعة بين فيصل والهرم الآن.
لا يوجد بمنطقة الأهرامات الحالية أي مرتفع جبلي أو تلال أو غيره كما في سلسلة جبال البحر الأحمر في مصر والسودان أو الجبال المحيطة بساحل بحر السويس في مصر أو عموم هذه المنطقة ليُستجلب منها الصخر الحجري الذي استعمل في البناء المزعوم، لا داخل الأرض ولا خارجها أو قريب منها، مما يؤكد عدم مصداقية أنها من صنع البشر.
حجم الحجر الواحد يتراوح بين 5 طن إلى 10 طن، ويتكون الهرم من 203 درجة، ولا توجد أية آثار أحفورية أثرية تدل على رافعات بدائية لرفع حجر بهذا الوزن أو أدوات تقليدية أو رافعات شوكية أو ما يماثلها أو بقايا جذوع نخل أو شجر عظيم الساق لتدحرج الصخرة عليه وصولاً إلى القمة وجدت بالجوار لتشير إلى عملية البناء المزعوم، وكل المطروح في سوق السياحة والآثار المصرية للعالم لا يتعدى الفرضيات أو التخيلات الذهنية لا الحقائق المجردة.
الأسرة الفرعونية الرابعة من آمون رع وخفرع ومنقرع، سنة (2528 ق م – 2551 ق م)، أي أقدم بحوالي 1000 – 1300 سنة قبل موسى عليه السلام، وكانت تحيط بتلك الفترة كثير من الحروب الداخلية بينهم والحيثيين مثلاً، ثم الاهتمام باستمرارية واستقرار دولتهم سياسياً وأمنياً وحياتياً وخلافه، مما يمنع عقلياً أو منطقياً قيام مشروع يستمر لمائة سنة مستمرة، وهي إنشاء وتنفيذ الأهرامات الثلاث، إذ مشاغل الدولة الفرعونية وتنميتها على أدناها درجة لم تتح زمنياً تكريس الجهد المذهل الخارق لبناء مشروع بهذه الضخامة.
كم نسبة العبيد القادرين على رفع وحمل الأثقال بالنسبة إلى عدد السكان آنذاك، مع الأخذ في الاعتبار تجييش الجيوش لمقاومة المهددات الأمنية من الحيثيين وغيرهم بجانب المواطنة ومعايش الناس؟ تجدها غير موجودة أو مذكورة في كتب الآثار والمرويات.
كم بلغت تكلفة عملية إقامة المعسكرات للأكل والشرب والعلاج والسكن غير المريح باعتبارهم عبيداً وليسوا أحراراً من ميزانية الدولة؟ علماً بأن منطقة الجيزة منطقة قاحلة شبه صحراوية، لا أثر بها لأي قرينة مباني قديمة أو قصور ملكية أو خلافه لتشير إلى وجود مدينة بذلك الحجم، وإلا لكانت أدرجت من ضمن الآثار التاريخية لمصر القديمة على أقل تقدير.
ما هي الغاية النبيلة السامية الأهم في العقل الجمعي الفرعوني آنذاك التي يُبذل فيها كل هذا الجهد والمال والوقت والطاقة والبشر استقطاعاً من حياة الناس ومن موارد الدولة ذات الإمكانيات المتواضعة إن لم تكن ضعيفة أو معدمة من الأساس وخلافه، خلاف المعتقد بأنها قبور أو مدافن ملكية ذات بعد ديني روحاني مقدس؟ هذا التسبيب لا يُطمئن إليه علمياً ولا منطقياً.
ما هي المعايير الهندسية المعمارية والمدنية الفنية والإدارية والتخطيط الاستراتيجي والخرط ذات السياق والتكلفة المالية وهلم جرا (المهندس همينو، مهندس الأهرامات قديماً) التي أُخذت في الاعتبار لبناء صروح لا حاجة للدولة الفرعونية عملياً بها؟ ثم كيف ومتى نطلق على الشخص صفة الهندسة أو المهندس تحديداً في الزمان القديم قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة أو عليها تزيد؟
أنا أتكلم هنا لا عن الممرات الآمنة الداخلية والأقبية والمدافن والتحنيط وخلافه، أنا أتكلم عن الناحية الهندسية المعمارية والمدنية ثم الأبعاد السياسية لجملة معطيات المملكة الفرعونية قبل ثلاثة آلاف سنة، ما هي الدوافع والأسباب والمبررات وأهداف الدولة الفرعونية العليا والمثلى بإنشاء صرح بهذا الحجم مما سبق تعليله عاليه؟
أنا حقيقة لم أجد أي مبرر أو مسوّغ كافٍ مقنع لكل هذه الضجة المعمارية مما وقع بين يدي من المعلومات لإنشاء وإقامة هيكل مخروطي كذلك، أو بالأحرى لماذا لم يُبنَ مستطيلاً أو مربعاً مثلاً؟

ثانياً، أهرامات البجراوية:
أهرامات البجراوية أو الطرابيل بمملكة مروي القديمة، المبنية بواسطة إنسانها في الفترة ما بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الرابع الميلادي، وتمثل أهم معالم مملكة كوش، مبنية في ذات الفترة 700 ق م – 350 ق م (بالرجوع لمقارنة التواريخ السابقة في هذه الفقرة أجد أن عمر أهرامات البجراوية حوالي 2500 سنة تقريباً، علماً بأن التواريخ في هذه الفقرة ليست دقيقة).
أهرامات البجراوية أصغر حجماً من أهرامات الجيزة، ويبلغ عددها حوالي ثلاثمائة هرم (200 – 300 هرم)، وتشير بعض التقديرات إلى وجود حوالي 120 إلى 148 هرماً كأهرامات بارزة، وتعد هذه المنطقة أكبر تجمع للأهرامات في العالم، وهي مدافن للملوك والملكات الكوشيين، وتتميز ببنائها من الحجر الرملي.
تقع أهرامات البجراوية في مدينة مروي القديمة على بعد 210 كلم شمالي الخرطوم، وهي مناطق أثرية باقية على مر الزمان ومدرجة ضمن قائمة التراث العالمي بمنظمة اليونسكو منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي تقريباً.
أثر البناء البشري الهندسي المعقول والمقبول عقلاً بالنسبة لأهرامات البجراوية لهو أقرب إلى الواقعية من حيث الشكل والحجم والمقدرة البشرية على تعدد البناء وعلى توفر أدواته والرمزية التي يمكن من أجلها أن تتم عملية البناء.
المنطقة الواقعة فيها بناء أهرامات البجراوية هي ذات طبيعة ترابية رملية لطبيعة الصحراء والمناخ المعتدل، مع إضافة الماء لعمل اللبنة الطينية ذات الأعمال اليدوية غير الشاقة.
لا تخضع عملية بناء الأهرامات عندنا لعامل الزمن والأدوات والتكلفة مما جاء عن أهرامات الجيزة، ذلك لأن حجمها الصغير وعددها الكبير لم تكن ذات مشقة ولا تحتاج إلى ضبط زمني كمائة سنة الجيزة متصلة، وإلا لما زادت عن الثلاثمائة هرم ولا أي مما سبق ذكره عاليه.
مما يعني أن الثقافة السودانية المروية المحلية آنذاك كانت تعتمد مهنة البناء وحرفة تشكيل قوالب الطوب التقليدي من الجالوص أو المداميك الطينية مع قشرة حجرية في عرفها المحلي ومعتقدها سواء الديني من كونها مقابر ملكية أو ثقافية أو سكنية عادية متى ما وجد حجراً أو صخراً في المنطقة، لأنّها أيضاً ذات جيولوجية صخرية يمكن بواسطة الحفر التقليدي استخراجها والاستفادة منها في تقوية البناء الطيني أو الجالوص، وهذا واضح عندنا في البناء القديم للمباني السكنية حتى في العاصمة الخرطوم.
في تقديري الشخصي لم تكن أهرامات البجراوية من أجل الوثنية في مقبرة الملوك، ولكنها ذات طابع محلي في عموم عملية البناء للسكن أكثر منها إلى المقابر الملكية، وربما استفادوا منها فيما بعد في تقبير ملوكهم، وهذا أقرب إن لم تكن أصلاً بغرض السكن، والله أعلم.
أهرامات البجراوية أقدم تاريخياً من أي أهرامات معمولة يدوياً في عموم مصر والعالم، هذا إن وجدت أصلاً.
ملوك مملكة مروي وكوش أو سكانها آنذاك لم ينقلوا الفكرة إلى مصر العليا، ولا علاقة البتة بين الأهرامات المقارنة عاليه من حيث الطبيعية كالجيزة صنع الله الذي أتقن كل شيء مثلها مثل أي نمط مخروطي طبيعي في الأرض كما في بلاد الصين، أو من صنع الإنسان كالبجراوية مثلاً.
السودان القديم، الممالك القديمة، كوش ومروي ونبتة، أصل الحضارة والتاريخ والجغرافيا في بناء الأهرامات اليدوية، ولا أعرف أي دولة في العالم أتيح لها بناء أهرامات مثلنا، وهذه سابقة بشرية بلا منازع، وتنتفي عندي حُجَّة وحِجوة ـ أُحْجية / حدوتة ـ المقارنة بين ما الأقدم في بناء الأهرامات مصر أم السودان منذ اليوم.
ثالثاً، فرعون موسى ومكان قصره:
إشارة إلى المراجع العلمية القديمة والتاريخية والتوثيقية الحديثة، والتي لاقت رواجاً كبيراً بين الباحثين محل الاستقراء والتحليل وما إلى ذلك، من أمثال الدكتور الفرنسي / موريس بوكاي، حول مومياء فرعون، أدلي بالآتي:
أشك للغاية في صحة نسبة مومياء فرعون موسى التي بين ظهرانينا اليوم من أنها هي جثة فرعون مصر أو فرعون موسى، بغض النظر عن عملية التحنيط وأثره وامتداده لقرون طويلة عند الفراعنة، فهي ليست لفرعون موسى، لأنهم عند التحليل الذي قام به الباحث الفرنسي الكبير / موريس بوكاي أكد أن “مومياء” فرعون موسى قد مات غرقاً، وتشير الأدلة العلمية التي توصل إليها إلى ذلك، وهنا موضع التشكيك، إذ إن فرعون موسى لم يمت بالغرق بل مات ميتة طبيعية وعاش بعد حادثة الغرق التي أشار إليها القرآن الكريم حين قال: {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون} سورة يونس، بفترة طويلة، وقد حذف الألف الثابتة من كلمة اغرقنهم “اغرقناهم” في بعض الآيات التي تحكي قصته، مما يدل على عدم صحة ما ذهب إليه الباحث الفرنسي الكبير.
عملية الغرق تمت لفرعون وقومه لكنه نجا ولم يمت بسببه بل بسبب طبيعي مستنبط من سياق وصياغ الآية: {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون} سورة يونس.
موريس بوكاي، المتوفى سنة 1998، في كتابه “الكتاب المقدس والقرآن والعلم”، هو الذي أكد أنه مات مختنقاً ولكنه نجا ببدنه مصداقاً للآية الكريمة آنفاً، وهذا ما نفيناه قطعاً بعدم أيلولة مومياء فرعون موسى الموجودة الآن بالمتحف القومي المصري لفرعون موسى الحقيقي.
كان بوكاي اسماً بارزاً ضمن مجموعتين من العلماء، إحداهما تولت فحص مومياء مرنبتاح في مصر بين عامي 1974 و1975، والأخرى فحصت مومياء رمسيس الثاني في فرنسا حيث نقلت إلى هناك في رحلة شهيرة عام 1976.
لا علاقة برمسيس موضوع البحث ببناء أهرامات الجيزة إذ إنها سابقة له بحوالي 1300 سنة ق.م، مما استبعد معها قرينة إحضاره من الدلتا إلى الجيزة ليدفن فيها أو غير ذلك، فهذا بعيد للغاية.
تنحصر مركزية حكم فرعون موسى بالدلتا وشمالي شرقها بالتحديد حيث أشارت الآية الكريمة: {ونادى فرعون في قومه قال: يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون} سورة الزخرف، مما يعني بُعد فكرة أن تكون أهرامات الجيزة مقبرة للفراعنة لبعد المسافة جغرافياً، أو مقبرة فرعون موسى رمسيس الثاني بالتحديد، وربما تكون لاحقاً لأسرة منهم لكنها بعيدة للغاية عن تصديق أن جثة فرعون التي بالمتحف المصري هي ذاتها لفرعون موسى.
أهم فروع نهر النيل في مصر القديمة مصداقاً للآية السابقة، إذ كانت دلتا النيل قديماً تضم 7 فروع رئيسية، لم يتبق منها اليوم سوى فرعي دمياط ورشيد:
الفرع الكانوبي (Canopic): كان يمتد عبر محافظة البحيرة ومصبه قرب أبو قير.
الفرع البولبيتي (Bolbitine): يعرف حالياً بفرع رشيد.
الفرع السبنيتي (Sebennytic): يعرف بـ”النهر الكبير” أو “الفرع الوسطاني” ويمر بالغربية.
الفرع الفاتيميتي (Phatnitic): يعرف بفرع دمياط الحالي.
الفرع المنديسي (Mendesian): مر بالدقهلية وشكل جزءاً من البحر الصغير.
الفرع التانيسي (Tanitic): كان يصب شرق بحيرة المنزلة ويتطابق مع بحر مويس.
الفرع البيلوزي (Pelusiac): كان أقصى الفروع الشرقية.
تم الكشف سنة 2017 عن مجاري هذه الأنهار من قبل هيئة المساحة المصرية بوثائق خرط كنتورية ومصبات وتفريعات، ولها علاقة وطيدة الآن مع قضية سد النهضة الإثيوبي، نعود إليه لاحقاً.
كل أحداث فرعون موسى كانت بين نهر النيل بمصر العليا عند الدلتا الشمالي الشرقي منها إلى حدود ساحل البحر الأحمر الغربي وصحراء سيناء إلى محاذاة لسان البحر الأحمر من غربه حتى عند الصخرة ملتقى البحرين أو مجمع البحرين (حوالي 450 كلم – 500 كلم، فأكثر بين نهر النيل والدلتا)، وهذا يعطي بداهة عدم الربط بين مصر السفلى ومملكة كوش النوبية السودانية من أن الأسر الفرعونية بالسودان بمملكة كوش ومروي هي امتداد لبعضها البعض بين مصر والسودان قديماً قبل حوالي سبعة آلاف سنة مع مسألة بناء الأهرامات التي هي غربي نهر النيل بمنطقة الجيزة الحالية (المسافة بين مروي القديمة وأهرامات الجيزة أكثر من 2000 كلم، فكيف لإنسان ذلك الزمان ليقطع كل تلك المسافة لينقل وليفكر ويقرر ويدبر بناء صرح الأهرامات الحالية بالجيزة من عدمه؟).
أبعد من ذلك، ليس لموسى وفرعون أية علاقة بالسودان القديم، ولا يعني هذا عدم وجود اليهود في تلكم المنطقة آنذاك لاحقاً بل يفيد بالضرورة وجودهم بسبب الهجرات الظرفية المتلاحقة بطبيعة الحال.
رابعاً، الخلاصة:
هذه الدراسة المختصرة لا علاقة لها بالشخوص ولا بالسياسة ولا هم يحزنون، بل هي محض مقارنة تاريخية تحليلية مبنية على معطيات علمية أثرية بين الأثرين من أهرامات البجراوية وأهرامات الجيزة، وخاضعة للمراجعة والتدقيق من جديد بطبيعة الحال حال استجدت معلومات لم تظهر ههنا، “وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين”.




