يحكي لنا الكاتب الإسباني “أنطونيو فييغاس”، مؤلّف أجمل قصّة حبّ موريسكية في تاريخ الأندلس، قصة عميقة المعنى، بعيدة الغور، عن عاشق أندلسي مولّه ومحبّ هائم، عريق المحتد، نبيل الجِذر، يُدعى إبن سرّاج، الذي كان مُغرماً بحبيبته الفاتنة الحسناء “شريفة” في ظروف صراعات عصيبة ساد فيها التطاحن والمواجهات، وعشعشت فيها الضغائن والأحقاد بين مختلف العوائل والأسر الحاكمة من الجانبين العربي الإسلامي وبين الإسبان النصارى، ومع ذلك انتصر الحبّ الذي كان مغلفاً بالعفّة والصدق والنبل والوفاء وسط هذه الأجواء الحالكة المتطاحنة والمدلهمّات والمحن.
وتظهر هذه القصّة في العديد من الحكايات والكتب والمرويات الرومانسية في ذلك العصر، وتكمن قيمة عمل “أنطونيو فييغاس” في إحياء هذه القصّة وإعادة نشرها على أوسع نطاق، وقد قدّمها لنا في قالب قصصي سهل وبسيط، وتسجّل هذه القصّة المشاعر السامية والنبيلة، والأحاسيس المرهفة العفيفة لبعض النبلاء الإسبان في ذلك العصر وفي العصور التي جاءت فيما بعد، فحتى الكاتب الإسباني العالمي “ميغيل دي سرفانتيس” لم يفته أن يشير في روايته الشّهيرة “دون كيخوته دي لا مانشا” إلى حكاية إبن السراج الشهيرة مع خليلته شريفة، بل إنّ هذا الكتاب كان وما يزال يُدرّس في المقرّرات التربوية والتعليمية الإسبانية إلى يومنا هذا المشهود.
ظهرت هذه القصة المثيرة عام 1565 في مدينة “ريّال كامبُو”، في كتاب طريف جمع فيه مؤلفه قصائد وحكايات وقصصاً كلاسيكية، وقد نال بهذا الكتاب شهرة واسعة في الأندلس وفي مختلف أصقاع شبه الجزيرة الإيبرية في القرن السادس عشر.
ولقد استوحى المؤلف كتابه من نصوص بعنوان “حكايات الأمير الماجد دون فرناندو الذي استرجع أنتيكيرا”، ويجد القارئ في هذا الكتاب قصّة حب رومانسية عن أسمى معاني الشّهامة والولاء والنبل والوفاء، في عهد كانت الكلمة فيه ما زالت تُحترم، وكان العهد فيه لا يُنكث حتى مع الخصوم.
وقصّة من هذا القبيل جديرة بأن تُحكى هذه الأيام لأنها تسمو بالحبّ وبمعناه العميق وبأهله وذويه وأصحابه إلى أعلى علييّن في عيده الذي يحتفل به العالم في الرابع عشر من شهر فبراير الجاري من كل عام. أليس جزاء المحبّة إلا بالمحبّة؟
يحكي لنا “أنطونيو فييغاس” في هذه القصة أنّ إبن السرّاج كان قد وقع في أسر الفارس الإسباني النبيل “رودريغو دي نارفايس”، عمدة مدينة “أنتيكيرا” التي تبعد عن مدينة مالقة بحوالي خمسين كيلومتراً. وعندما رأى نارفايس الفارس العربي المسلم خلال سجنه في زنزانته غارقاً في حزن عميق، سأله عن سبب كربه وغمّه ووجومه، فحكى له ابن السراج قصته، وهي أنه وقع في الأسر قريباً من المكان الذي كانت تنتظره فيه محبوبته شريفة لعقد قرانه عليها في ذلك اليوم.
عندئذ قرّر الحاكم الإسباني إبرام اتفاق مع الفارس العربي الحزين بإطلاق سراحه بشرط واحد، أن يقدّم له وعداً بأن يعود للسّجن متى التقى بخطيبته شريفة وعقد قرانه عليها وتزوّجها. فوافق ابن السرّاج على الفور على هذا الشرط وقدّم للحاكم وعداً بذلك، ثم انطلق للبحث عن شريفة، وعند التائه بها تزوّجها سرّاً.
إلا أنّها عندما عرفت قصّة خطيبها وسوء الحظ الذي وقع فيه قرّرت ألا تفارقه، وأن تصحبه إلى السّجن. ولم يتوان ابن السرّاج في العودة إليه على الفور وفاءً منه للعهد الذي قطعه على نفسه مع الفارس الإسباني حاكم أنتيكيرا وعمدتها، الذي عندما وجد الفارس العربي قد عاد إليه، ولم تشأ زوجته شريفة فراقه بل قرّرت مرافقته في السجن، عندئذ فكّر الفارس الإسباني كيف يجازي ابن السرّاج على وفائه واحترامه للوعد الذي قطعه على نفسه معه، فقرّر أن يكافئه وزوجته شريفة على إخلاصهما ووفائهما، فأطلق سراحهما على الفور.
العِشق والصّبابة والهَوى في الشّعر العربي
كلما عاد “عيد الحب” أو “سان فالينتاين”، كما يطلق عليه في الغرب، تعود إلى أذهاننا قصص العاشقين، وحكايات الوالهين، وأشعار المتيّمين، وتطوف في مخيّلاتنا وتدور في خلدنا أسماء عالقة ولاصقة بذاكراتنا الوَهنة لها شهرة واسعة الأطناب في عالم العشق والهوى والتيم والهُيام والصبابة والجوى، ممّا قاد بعضهم إلى مزالق الجنون وعوالم المجون.
فمنذ معلقاتنا الشعرية القديمة التي كانت تُكتب بماء الذهب وتُعلّق على جدران الكعبة، كان شعراؤنا يبكون وينوحون وينتحبون ويتغزّلون نسيباً وتشبيباً وإعجاباً بمحبوباتهم ومعشوقاتهم، ويتغنّون بأطلالهم الدارسة. فهذا عنترة العبسي يسائل خليلته عبلة، وهذا عمرو بن كلثوم يناشد خليلته، وهذا طرفة بن العبد يذكّرنا بأطلال خليلته خولة، وهذا امرؤ القيس يذكّرنا بليله السديم، وهذا جميل بثينة يحلف لخليلته، وهذا عمر بن أبي ربيعة في جولاته وصولاته خلسة في جنح الليالي الحالكات يزور خليلته، ناهيك عن المجنون قيس بن الملوّح وحكايته مع ليلاه، وشاعر آخر يقول: أشارت بطرف العين خيفة أهلها.. وجاء بعد ذلك آخرون، منهم أبو تمّام الطائي الذي يقول: نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى.. وهناك العديد من القصص والحكايات والأشعار الأخرى التي يحفل بها أدبنا العربي الزاخر منذ فجر التاريخ، وهي حكايات تنخلغ لها الأنفس وتخفق لها القلوب وتتغيّر معها الطباع وتطول بسببها الليالي وتحتد بها نوبات الأرق وتزيد بها نبضات القلوب ويتفاقم القلق والتسهيد ويحلو بها ولها وفيها السمر والتنهيد والسهر.
أيّها العشّاق اسمعُوا واعملُوا بنصائح ابن حزم
هذه المواضيع والأشعار والحكايات تدخل في صلب الإحساس العاطفي الذي كان الأقدمون ينعتونه بمسميات جميلة مثل الغزل أو النسيب أو التشبيب، ومنه العذري والإباحي. إنها مواضيع، على الرغم من مرور الزمن وانسياب السنين، ما فتئت على أيامنا الغارقة في الماديات والتكنولوجيات المتطورة والمحيّرة تُحيي الروح وتجذل القلب وتنعش الوجدان وتشد الكيان، وكان لها حضور قوي في تراثنا العربي والأندلسي القديم على وجه الخصوص.
إننا واجدون في هذا التراث كتاباً فريداً في بابه يُعتبر من أروع ما كتب في هذا الموضوع للعلاّمة الفقيه الشاعر الحافظ ابن حزم الأندلسي في مؤلّفه الشهير “طوق الحمامة في الألفة والألاّف”، وهو كتاب يعالج تباريح الحب والهوى وعذابات التيم والعشق والجوى في الأندلس.
وقد أصبح هذا المؤلّف من بين أشهر الكتب التي وُضعت في الأندلس خلال عهودها الزاهرة، تناول فيه صاحبه موضوع الحب وما تعتري صاحبه من ظواهر الانفعال والتغييرات التي تغشاه، ومعروف لدى القاصي والداني مدى التأثير البليغ والأثر العميق اللذين أحدثهما هذا الكتاب في آداب القرون الوسطى، عند مختلف الأجناس وفي العالمين العربي والغربي على حد سواء.
مواصفات الحبّ وتباريحه
تجدر الإشارة أنه في قراءة متأنية تقول الباحثة الأردنية ديانا نصار عن هذا المؤلَّف: “هذا الكتاب ألّفه واضعه نزولاً عند رغبة صديق محب طلب منه أن يصنف له رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة”.
وهذا يدفع إلى أذهاننا التساؤل الأول: هل من الممكن فعلاً أن يُعرّف الحب وتُقسَّم معانيه وأعراضه وأنواعه والمشاعر المتعلقة به وأن يُصنّف في كتاب أو رسالة؟ وسرعان ما يأتينا الجواب الشافي، فتقول الكاتبة: “بالرغم من غرابة الفكرة فقد انتهج ابن حزم منهجاً علمياً بحثياً في تقسيم الرسالة، حيث عمد إلى تقسيمها إلى ثلاثين باباً: عشرة في أصول الحب، واثني عشر باباً في أعراض الحب وصفاته المحمودة والمذمومة، وستة في الآفات الداخلة على الحب، واختتمها ببابين تحدث فيهما عن قبح المعصية وفضل التعفف”.
وتضيف الكاتبة: “هناك آراء واجتهادات، أبرزها أن يكون الاسم مبنياً على فكرة الديمومة والثبات، أو أنه يحمل دليلاً على معاني الزينة والحلية واستلهام الجمال الذي هو مثار الحب، أو أن الحمامة رسول الحب والطوق حليتها وزينتها أو الأمانة المعقودة في عنقها”.
يصف ابن حزم الحب فيقول: “الحب أعزك الله أوله هزل وآخره جد، دقّت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تُدرك حقيقته إلا بالمعاناة، وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة إذ القلوب بيد الله”. وتشير الباحثة إلى النزعة الدينية والقالب العقلاني الذي طغى على غير موضع في هذه الرسالة، وتتساءل إن كان ذلك نابعاً من خلفيته الدينية أو من طبيعة الطلب الذي كُتب لأجله الكتاب.
ويرى ابن حزم أن أصل الحب اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع، ويعدد أنواع المحبة، ويرى أن محبة العشق هي الوحيدة التي لا تفنى ولا تزيد ولا تنقص. ويحتوي الكتاب على قصص وحكايات وأخبار شهدها ابن حزم أو نُقلت إليه، وقد تربى في وسط يزخر بالنساء والجواري مما أتاح له الاطلاع على أسرارهن وخباياهن.
شيخ المستشرقين الإسبان وكتاب طوق الحمامة
في هذا اليوم، يوم الحب أو عيد الحب، لا حديث للناس سوى عن الحب. ما أحوجنا إلى إعادة نبش تراثنا وقراءة تاريخنا والاستماع والاستمتاع بدرره ونفائسه التي أعجب بها الغرب قبلنا.
يقول شيخ المستشرقين الإسبان الراحل إميليو غارسيا غوميس، الذي تعرّفت عليه في مدريد في الثمانينات من القرن الفارط عندما كنت أتقلد منصب المستشار الثقافي بسفارة المغرب في العاصمة الإسبانية، إن الحب العذري دخل الأندلس حوالي 890م وكان لابن حزم تأثير واضح وبليغ في هذا المجال خاصة في البلاطات الأوروبية الراقية.
وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن هذا العالم الأندلسي الجليل سبق بقرون علماء النفس الأوروبيين المعروفين بملاحظاته العلمية الدقيقة وتفسيراته العميقة وتحليلاته النفسية للحالات العاطفية للعاشقين في كتابه المذكور، الذي تُرجم إلى العديد من اللغات الحية ولقي انتشاراً واسعاً.
وهكذا سيظل كتاب “طوق الحمامة” مرجعاً أساسياً للعاشقين والوالهين، وهو لا يخلو من المتعة والفائدة والأخبار العجيبة عن الحب والصبابة والجوى والهُيام.. وكل عام وأنتم وأنتن بألف حب.




