في زمنٍ يتوه فيه الإنسان بين حثمية اللحظة وقلق المستقبل، ويبحث عن يقينٍ يثبّت خطاه وسط عواصف التحوّل، يعود السؤال القديم في هيئةٍ جديدة: ما معنى هذا التغيّر الذي يحكم الوجود؟ أهو عبث أعمى أم قانون خفيّ؟
في هذا النص، لن نقف عند سطح الظواهر، سننفذ إلى عمقها، لنكشف عن ناموسٍ كونيٍّ حاكم، تتأسّس عليه حركة الحياة وتُبنى عليه حكمة الوجود: ناموس التَّعاقُب؛ القانون الذي به نفهم الزمن، ونقرأ المصير، ونصالح أنفسنا مع تقلّبات هذا العالم.
إن هذا الكون يسير على خطى ناموسٍ خفيٍّ راسخ ، لا يتحرك اعتباطا، ولا تتقلّب ملامحه دون قصد، ولا يبدَّل ولا يُستثنى ولا يخطئ مساره: إنه ناموس التَّعاقُب.
به يستقيم نبض الوجود، وتنتظم أنفاس الأيام، ويُقرأ سرّ الحياة في توالي فصولها، وتعاقب أحوالها، وتبدّل مصائرها كما تتبدّل أوراق الشجر بين خريفٍ يتجرّد من بؤس ألوانه، وربيعٍ يتجدّد من نضارة أزهاره.
فمنذ أن فتح الإنسان عينيه على هذا العالم، وهو يتأمّل مرآة السنين، رخاءً يتلوه جدب، وأمنًا يجاوره خوف، وامتلاءً لا يلبث أن ينساب إلى فراغ.
حيث لا عبث في هذا المشهد، ولا فوضى في هذا التقلّب، هي فقط حكمة ربانية كونية تكتب قوانينها بحبر التوازن، وتُلقّن الوجود دروسه على مهل، لتقول للإنسان إن دوام الحال وهمٌ جميل، وإن الثبات على حال واحد هو كذبة مريحة، لأن الحياة في جوهرها حركة، والحركة تغيير، والتغيير تعاقب لا يتوقّف بين الأضداد.
فالنهار يتسلّل من خاصرة الليل، والنور يولد على حافة الظلمة، والخير لا يُرى بوضوح إلا حين يمرّ بمحاذاة الشر، والفرح لا يكتمل إلا إذا ذاق القلب طعم الحزن، كما أن الغنى لا يفهمه الإنسان إلا حين يمرّ من بوابة الفقر، والمعنى لا يُكتب إلا على صفحات الألم.
وليس هذا التعاقب صراعًا بين المتناقضات، بل موسيقى خفيّة تعزفها الأضداد في انسجامٍ عميق؛ فالأشياء لا تكتمل إلا بنقائضها، ولا تُدرك إلا حين تنعكس في مرايا أضدادها، ولولا هذا التوتّر الخلّاق لفقد الوجود نكهته، وأصاب الإنسان عمى المعنى.
وسنواتُ الرخاء لا تُمنح للسكينة وحدها، وإنما لاختبار الامتنان ولامتحان الشكر، كما أن سنوات الشدّة تُرسل لإنضاج الوعي وليس للعذاب فقط. فكل مرحلة تحمل رسالة، وكل حال يؤدي وظيفة، وكل سقوط يعيد تشكيل الروح من جديد.
ومن لم يتعلّم لغة التعاقب عاش رهينة اللحظة، منبهرًا ببريق الخصب، مكسورًا عند أول ريحٍ للجدب؛ أما من فهم هذا الناموس فقد تحرّر من عبودية الظروف، وسكن قلبه في قلب العاصفة، لأن بصيرته تجاوزت ظاهر الأحداث إلى منطقها العميق.
فالوجود، في حقيقته هو مدرسة كونية كبرى، لا تُدرَّس بالأيام لا بالمناهج،و تُلقَّن بالأحداث لا بالمواعظ، وتُقاس شهاداتها بمقدار ما يضيء الوعي في داخلنا لا بالدرجات.
وفي هذه المدرسة لا نهاية مطلقة ولا وصول نهائي؛ فكل نهاية هي بداية أخرى، وكل خسارة هي إعادة ترتيب للمعنى، وكل سقوط هوتمرين سرّي على الصعود من جديد.
وحين يبلغ الإنسان هذا الفهم، لا يُسكره الفرح، ولا يُحطّمه الحزن، ولا يخدعه النجاح، ولا يكسره الفشل. حيث يصير أكثر اتزانًا، وأعمق بصيرة، وأهدأ حضورًا في هذا العالم المتحوّل. وهنا تولد السكينة الحقيقية: أن يفهم أن ما يمرّ به ليس كل شيء، وأن ما يفقده ليس نهاية الطريق، وأن ما يخشاه ليس سوى فصلٍ من كتابٍ هائلٍ اسمه الحياة.
وهكذا يمضي الوجود، في موجات من الضوء والظل، من الامتلاء والفراغ، من الانكسار والاكتمال، حتى يصوغ الإنسان كائنًا أكثر وعيًا بذاته وبالعالم وبالمصير.
ذلك هو ناموس التَّعاقُب؛ القانون الذي إن فهمناه تصالحنا مع الحياة بدل أن نصارعها، وسكنا هذا العالم بقلوب مطمئنة، وعقول واعية، وأرواح تعرف أن التغيّر هو أعمق تعريف للحياة نفسها.
فمن فهم التعاقب، فهم نفسه.. ومن فهم نفسه، صالح الوجود.




