منير لكماني – ألمانيا
الإنتظار
تأتي ليلة التحري ومعها حاجة الناس إلى جواب واحد يطمئنهم. في مدن المهجر تتضاعف حساسية هذه الليلة، لأن الجيران يعيشون في شارع واحد، ويتقاسمون مدرسة واحدة، وأوقات عمل واحدة، ثم يفاجأون بقرارين مختلفين في المكان نفسه.
حين يتوحد الإعلان تنتظم البيوت بهدوء، وحين يتعدد تتولد الحيرة: أسرة تتهيأ للسحور، وأخرى تؤجل، وتبدأ الأسئلة الصغيرة التي تكبر بسرعة. هذا الاضطراب لا يصنعه غموض النصوص، بل يصنعه غياب آلية ثابتة تنقل الدليل إلى قرار منظم، وتقدمه للناس بوضوح وإحترام.
الدليل
الأصل في دخول الشهر وخروجه ثابت في القرآن والسنة. قال الله تعالى: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه” سورة البقرة، الآية 185.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين”. رواه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، حديث رقم 1909.
ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤيته وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما، حديث رقم 1081.
هذه النصوص لا تترك الناس في إنتظار بلا نهاية، بل ترسم طريقا واضحا: إثبات عند تحقق، وبديل عملي عند التعذر، حتى لا يتحول الأمر إلى فوضى أو خصومة.
المذهب
المشهور عند المالكية أن دخول رمضان يثبت بالرؤية المعتبرة أو بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما عند عدم ثبوت الرؤية. والرؤية المعتبرة ليست خبرا عابرا يتناقله الناس، بل شهادة منضبطة تتولاها جهة مسؤولة، تتثبت من شروطها ثم تعلن قرارا واحدا.
بهذا الفهم، المذهب يحمي الجماعة من التشتت، لأن العبادة العامة لا تستقيم مع اجتهادات متنافسة داخل الحي الواحد، ولا مع إعلان يتغير بتغير الرسائل المتداولة.
الحساب
موقف المالكية على المشهور أن الحساب الفلكي لا يكون دليلا مستقلا لإثبات دخول الشهر. أي لا يكفي أن يقال: الحساب يؤكد ولادة القمر أو يرجح إمكان الرؤية، ثم يبنى على ذلك إلزام عام. المقصود ليس التقليل من علم الفلك، بل ضبط موقعه داخل باب الإثبات، حتى لا يصبح الحساب بديلا عن الرؤية المعتبرة أو إكمال العدة.
ومع ذلك، الإستفادة من معطيات الفلك مفيدة بوصفها أداة تنظيم وتثبت: تحديد زمن التحري، فهم شروط الرؤية، وإستبعاد الأخطاء الواضحة عند دعاوى لا تنسجم مع المعطيات القطعية. هذا توظيف مساعد يقلل الارتباك، لكنه لا يتحول إلى أصل مستقل ينسخ القاعدة المشهورة في المذهب.
المرجع
المشكلة تتفاقم حين يغيب السؤال الحاسم: من الجهة التي تتحقق وتعلن؟ القرار العام لا يحتمل تعدد المنابر داخل المدينة الواحدة، لأن التعدد يصنع صراعا على الثقة قبل أن يصنع إختلافا في الإجتهاد. ويستأنس في ضبط الشأن العام بقوله تعالى:
“يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول” سورة النساء، الآية 59.
المعنى العملي هنا أن النزاع لا يعالج بالانفعال، بل بالعودة إلى معيار معتبر وجهة مسؤولة، مع بيان يشرح لا يثير، ويقنع لا يستفز.
الخطة
الحل الواقعي لا يحتاج خطبا طويلة، بل يحتاج نظاما ثابتا يراه الناس في كل سنة:
أولا، لجنة موحدة في كل مدينة تضم فقيها على المذهب، وخبيرا في الفلك، ومسؤولا عن التوثيق والتواصل.
ثانيا، معايير معلنة لقبول الشهادة: من يقبل؟ كيف توثق؟ ما خطوات التثبت؟ ومن يوقع القرار؟
ثالثا، قناة إعلان واحدة بصيغة ثابتة، مع شرح مختصر يجيب بوضوح: لماذا ثبت؟ ولماذا لم يثبت؟
رابعا، إعتماد القاعدة المشهورة عند المالكية: رؤية معتبرة أو إكمال العدة ثلاثين، مع الإستفادة من الفلك للتنظيم والاستبعاد عند الحاجة، دون جعله أصلا مستقلا.
خامسا، تهذيب لغة النقاش داخل المجتمع: إختلاف الإجتهاد لا يبيح إتهام النيات، ولا يصنع حقا جديدا بالصراخ، ولا يحل مشكلة القرار.
القرار
الإرتباك يتكرر لأن الدليل لا يكفي وحده ما لم يتحول إلى قرار واضح ومسار ثابت. الناس لا يطلبون تعقيدا، بل يطلبون مرجعا موثوقا يعلن بوضوح، ويشرح بإختصار، ويجمع الكلمة في المدينة الواحدة.
فهل نملك إرادة نقل المسألة من التنافس إلى التنسيق؟ هل نستطيع بناء لجنة واحدة ومعايير واحدة وقناة واحدة؟ وهل نربي أبناءنا على أن قوة الجماعة تظهر في الإنضباط والبيان، لا في كثرة الإعلانات؟ ثم السؤال الذي يضع كل شيء في مكانه: متى يصبح القرار خدمة للناس لا إمتحانا لأعصابهم؟ Diese Nachricht wurde bearbeitet.




