آراءسياسة
أخر الأخبار

لجنة إدارة غزة.. بين الاستقلال المعلن والوصاية المقنّعة

إن تحويل هذا الجسم إلى مرجعية غير معلنة يهدد بتقويض فكرة الإدارة المستقلة من أساسها، ويعيد إنتاج منطق المحاصصة والضغوط الحزبية، في وقت يفترض أن تُمنح فيه لجنة إدارة غزة مساحة حقيقية للعمل، بعيدًا عن الحسابات الفصائلية الضيقة..

د. منصور أبو كريم

يثير الجدل المرافق للإعلان عن تسليم إدارة الحكم إلى لجنة إدارة غزة أسئلة مشروعة حول طبيعة هذا التسليم وحدوده الفعلية.

فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلق بإجراءات بروتوكولية أو مراسم شكلية، بقدر ما تتصل بجوهر الاستقلالية السياسية والإدارية للجنة، وقدرتها على العمل دون وصاية أو ضغوط مسبقة.

فلا يبدو منطقيًا أن يتطلب نقل الصلاحيات إلى لجنة إدارية كل هذا الاستعراض السياسي، ولا أن يُستدعى فجأة جسم غائب منذ سنوات، مثل ما يُسمّى بلجنة القوى الوطنية والإسلامية، ليُقدَّم كإطار رقابي أو مرجعي لعمل اللجنة الجديدة. هذا الاستحضار المتأخر لا يمكن قراءته إلا في سياق سياسي أوسع، يتجاوز الحرص على الشراكة أو التوافق الوطني.

اللافت أن هذه المراسم تُقدَّم للرأي العام باعتبارها دليلًا على تسليم كامل للحكم، في حين تشير الوقائع إلى استمرار محاولات التأثير على عمل اللجنة من خلف الستار، سواء عبر الاعتراض على بعض الأسماء، أو من خلال الإصرار على إبقاء اللجنة أسيرة للهياكل الإدارية والأمنية السابقة، بما يحوّل “التسليم” إلى إجراء شكلي لا يمس جوهر السلطة الفعلية.

الأخطر من ذلك هو محاولة إعادة إنتاج لجنة القوى الوطنية والإسلامية كمرجعية سياسية بديلة، توضع عمليًا فوق لجنة إدارة غزة، بدل أن تكون المرجعية الطبيعية هي السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

هذه الخطوة لا تبدو بريئة، بل تحمل في طياتها مسعى واضحًا لجرّ الفصائل الفلسطينية إلى إطار فضفاض، قد يُستخدم لاحقًا لإصدار بيانات ومواقف باسم “الإجماع”، دون تفويض حقيقي أو تمثيل مؤسسي واضح.

كان الأجدر بهذه الفصائل، قبل أن تنصّب نفسها وصيّة أو مراقبًا على عمل لجنة إدارة غزة، أن تتحلّى بشجاعة المراجعة، وأن تعترف صراحةً بالخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته في السابع من أكتوبر وما تبعه من حسابات غير محسوبة دفعت غزة ثمنها دمًا وخرابًا.

فالمسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي الاعتراف بالفشل قبل الادعاء بالرقابة، والمحاسبة الذاتية قبل فرض الوصاية على الآخرين.

لقد أمضت هذه القوى سنوات طويلة في إدارة مشهد من الانقسام والشلل، دون أن تنجح في توحيد الصف الوطني أو بناء رؤية جامعة لمواجهة التحديات المتفاقمة.

بل على العكس، تحوّل الانقسام إلى واقع مُدار، ورسّخت المحاصصة مصالح ضيقة على حساب المصلحة العامة، فيما كان المجتمع يزداد هشاشة، والقطاع يقترب أكثر من حافة الانهيار. وجاءت رهاناتها الخاسرة لتفاقم المأساة، فكانت النتيجة دمارًا واسعًا، وآلاف الضحايا، وموجات نزوح وتهجير طالت معظم السكان.

في مثل هذا السياق، لا يبدو منطقيًا ولا أخلاقيًا أن تعود هذه الفصائل لتقدّم نفسها كمرجعية أو رقيب على لجنة يفترض أنها وُلدت أصلًا لمعالجة آثار الفشل السابق. فالأجدر بها أن تتراجع خطوة إلى الخلف، وأن تفسح المجال لإدارة مهنية مستقلة تعمل بعيدًا عن إرث الصراعات الفصائلية، بدل إعادة إنتاج نفوذها عبر عناوين جديدة.

فالمرحلة ليست بحاجة إلى مزيد من الأوصياء، بل إلى قدر من التواضع السياسي، ومصارحة وطنية، وإفساح المجال لوجوه وآليات قادرة على إدارة التعافي وإعادة البناء بروح الخدمة العامة، لا بروح السيطرة. أحيانًا، يكون الانسحاب المسؤول هو الفعل الوطني الأكثر شجاعة.

إن تحويل هذا الجسم إلى مرجعية غير معلنة يهدد بتقويض فكرة الإدارة المستقلة من أساسها، ويعيد إنتاج منطق المحاصصة والضغوط الحزبية، في وقت يفترض أن تُمنح فيه لجنة إدارة غزة مساحة حقيقية للعمل، بعيدًا عن الحسابات الفصائلية الضيقة.

من هنا، فإن المسؤولية الوطنية تفرض التنبه المبكر لهذه المحاولات، وعدم السماح بتطويق اللجنة منذ لحظة ولادتها. فنجاح أي إدارة انتقالية أو مؤقتة لا يقاس بحجم المراسم المرافقة لها، بل بمدى استقلالها، ووضوح مرجعيتها، وقدرتها على العمل بحرية لخدمة الناس، لا لإعادة تدوير الأجسام.

* كاتب وباحث سياسي فلسطيني 

https://anbaaexpress.ma/anakc

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى