آراء
أخر الأخبار

عيد الحب.. منحة أم محنة؟

منير لكماني –  ألمانيا 

تبدو الحكاية لطيفة من بعيد: هدية صغيرة، وكلمة دافئة، وموعد يتجدد. غير أن الاقتراب يكشف وجها آخر؛ إذ يتسلل موسم بعينه إلى البيوت والشوارع والهواتف، فيعيد ترتيب العواطف كما تعاد واجهات المتاجر كل عام.

وفجأة يغدو الحب امتحانا علنيا: من أهدى؟ من نشر؟ من دفع أكثر؟ ومن تأخر لحقته تهمة البرود. ليست القضية إنكارا للمحبة، بل دفاع عنها كي لا تتحول إلى عرض سريع يستهلكها ثم يرميها.

جذور متداخلة

لا تملك المناسبة المرتبطة بالحب سيرة واحدة مستقرة. تتجاذبها روايات تاريخية متباينة، وتختلف تفاصيلها باختلاف المصادر والثقافات.

لذلك تبقى معرفة “البداية” محدودة اليقين. لكن اليقين الأقوى يتعلق بما حدث لاحقا: تحولت الفكرة من رموز متفرقة إلى طقس عالمي واسع، غذته وسائل الإعلام ثم دفعته التجارة، حتى صار له قاموس جاهز وصور محفوظة. وحين تضعف الجذور، يسهل أن تحكم القشرة.

توجيه الوجدان

لم يعد الناس يتلقون تصور الحب من الكتب أو الخبرة أو حديث العائلة فقط، بل من شاشة تقيس الإنتباه وتعيد تشكيله. المحتوى الذي يلمع ليس بالضرورة الأصدق، بل الأقدر على الإنتشار: دموع أمام الكاميرا، ومفاجآت مبالغ فيها، وإعلانات عاطفية تضغط على الطرف الآخر.

هكذا تولد معايير جديدة من دون اتفاق صريح: الحب يجب أن يرى، ويجب أن يصور، ويجب أن يدهش. ومع التكرار يتحول الإستثناء إلى قاعدة، ويبدو الهدوء كأنه نقص.

جوهر مستبدل

أخطر ما في الظاهرة أنها تستبدل الجوهر بالإشارة. يصبح القلب أيقونة، والصدق تغليفا، والمودة قائمة مشتريات. لا يقال: كيف نصون العلاقة؟ بل يقال: ماذا سأشتري؟ ولا يسأل: هل في كلامي رحمة؟ بل: هل سيعجبهم المنشور؟ هنا يختلط الحب بالتمثيل؛ فيزداد الإهتمام بالصورة الخارجية، ويقل الإنتباه إلى التفاصيل التي لا تلتقطها عدسة، مثل الوفاء في الغياب، والستر عند الخطأ، والإنصاف عند الخصومة.

سوق المفاضلة

لا يكتفي الموسم بالترويج، بل يخلق سباقا خفيا. هدية بسيطة قد تصير “غير كافية” لأن آخر قدم أغلى. وموعد هادئ قد يوصف بالرتابة لأن مقطعا قصيرا أظهر احتفالا صاخبا.

ويتضاعف هذا الضغط على من يزنون الأمور بالإعتدال ويحافظون على حدود الإنفاق. فتظهر مفارقة مؤلمة: بدل أن يكون الحب بابا للسكينة، يتحول إلى مصدر قلق، وبدل أن يكون مودة، يصير منافسة.

ميزان الستر 

في البيوت التي تفضل الستر وتتحفظ من الإستعراض، يتخذ السؤال طابعا حساسا: كيف نعبر عن المودة من دون أن نسلمها للفرجة؟ وكيف نربي أبناءنا على أن الحب مسؤولية لا لعبة؟ كثيرون لا يعترضون على المحبة، بل على تحويلها إلى تذكرة قبول اجتماعي: إن لم تشارك صرت خارج الدائرة.

وهذا ضغط ثقيل، لأنه يفرض لغة واحدة للتعبير، ويهمل اختلاف الطباع؛ فمن الناس من يحب بصمت، ومنهم من يحب بخدمة، ومنهم من يحب بحضور كريم لا بضجيج.

فاتورة الموسم

يسرق ثلاثة أشياء دفعة واحدة: الزمن، والصدق، والحرية. يسرق الزمن حين يجعل يوما واحدا بديلا عن عام كامل من العناية. ويسرق الصدق حين يصير الفعل موجها لنظرة الناس لا لحاجة العلاقة.

ويسرق الحرية حين يشعر أحد الطرفين أنه مجبر على مجاراة الطقس كي لا يوصم. والحب إذا فقد حريته خسر جزءا من جماله، وإذا فقد صدقه ضاع أثره، وإذا صار موسما انقطع نفسه.

حرمة الحب

العلامات الأصدق لا تباع في علبة. الحب يظهر في الإعتذار من غير إذلال، وفي الصبر على اختلاف المزاج، وفي احترام الحدود، وفي حفظ السر، وفي تجنب المقارنة.

يظهر حين يمرض أحدهما فيبقى الآخر سندا لا متفرجا. ويظهر حين تغري الخصومة بالكسر، فيختار المرء اللطف. هذه مواقف لا تصلح للتسويق، لكنها أساس النجاة داخل أي علاقة.

عبرة

إن كان الحب قيمة عظمى، فلماذا نقبل أن يتحكم فيه السوق؟ هل نحتفل بالمحبة، أم نحتفل بخوفنا من نظرة الناس؟ ماذا لو صرنا نقيس العاطفة بما لا يراه أحد: بالوفاء، والستر، والعدل؟ ثم السؤال الأشد إلحاحا: هل نملك شجاعة إعادة الحب إلى مكانه الطبيعي، بعيدا عن الموسمية والإبتزاز الناعم، ليعود خبزا يوميا لا حلوى عابرة؟

https://anbaaexpress.ma/x1uzz

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى