آراءالشرق الأوسط
أخر الأخبار

رفيق الحريري.. وصفة سعوديّة لاستقرار لبنان

التقيت رفيق الحريري مرة واحدة. كان ذلك في دارته في "قريطم" في صيف عام 2004، أي قبل اغتياله بعدة أشهر

21 عاما مرت على اغتيال الرئيس رفيق الحريري. تغيّر العالم، تغيّرت المنطقة، وتغيّر لبنان. تعود الذكرى مرة اخرى لتعيد للبنانيين حنينا إلى دولة ما زالوا يتوسلون وجودها ويتمنون قوتها ومناعتها وسعة ظلالها.

نجح القتلة في تأجيل استعادة تلك الدولة وما زالوا يمنّون النفس ببلد تسوده قوانين الدويلات. وفيما لبنان غارق في السعي للخروج من عنق خانق، تعود الذكرى وكأنها اللحظة الكئيبة التي ألّمت بالبلد وتمددت في الزمن منذ ذلك الحين.

لم يحصل الرجل في حياته على إجماع ولم يسعَ إليه، شأنه في ذلك شأن من يشتغل في السياسة ويلج زواريبها. نال الحريري بعضا من ذلك الإجماع بعد غيابه، وإن ما زال البلد منقسم، حتى لدى المناصرين له، في تقويم تلك التجربة أولا، وفي قراءة تجربة تياره لاحقاً.

وفيما توفّر احتفاليات الذكرى وقراءات اللبنانيين لها واجهات لتباين واختلاف، فحريّ أن لا يخضع رفيق الحريري للمعايير التي تروج عام 2026 لمقاربة حياة سياسية انتهت عام 2005.

وحتى لا تختلط حسابات هذه الأيام، على بعد انتخابات يفترض أن تجري بعد أشهر، مع القواعد التي أسّست لتجربة رفيق الحريري، فجدير الفصل، وربما التام، بين حقبة لها ظروفها المحلية وسياقاتها الجيوسياسية، والحقبة التي نعيشها في فرادتها وديناميتها واستثناءاتها التي تعيد بناء النظام الدولي برمته.

عاصر رفيق الحريري جيلا، فيما لا يعرف عنه جيل شاب إلا ما تبثّه البروباغندا في المناسبات. جهد الرجل في حفر لبنانية عروبة عابرة للطوائف، وربما للحدود قد تكون وراء مقتله، إلا أن الورش المتعجلة الحالية تحشره، جهلا أو قصدا، في زواريب الأديان والمذاهب.

التقيت رفيق الحريري مرة واحدة. كان ذلك في دارته في “قريطم” في صيف عام 2004، أي قبل اغتياله بعدة أشهر. كان الغرض هو الإعداد لمقابلة تلفزيونية لم تتوفّر الظروف لإجرائها. دام اللقاء نصف ساعة لم يبخل خلالها، وأنا القادم لطرح الأسئلة، في إمطاري بالأسئلة عن البلد والناس والمنطقة والعالم.

في سعيه للمعرفة وجمع المعلومات ورصد ما خلفها، أعدّ للبنان المستقبل الذي كان يريده. قبل موعدي معه كان في جلسة اتصال مع رئيس وزراء اليابان، وهُمس لي أن اتصالا سيجريه بعد قليل مع صديقه الفرنسي جاك شيراك. من تلك التفاصيل الصغيرة والكبيرة صنع رفيق الحريري حكايته.

لم يكن عسيرا من خلال ما سمح لي بالاستماع اليه من بوح استنتاج ريبته من ذلك النظام الذي حكم دمشق. وفي تلك الجلسة بالذات فهمت معاني تلك العلاقة التي كانت تجمعه بالسعودية. يعرف الرجل الذي بدأ حياته بسيطا يجيد المحاسبة وعلم الحساب ماذا فعلت المملكة به وله وللبنان.

كان يدرك أن ذلك المجد الذي تحوّل إلى حالة شعبية كاسحة كرهتها دمشق إلى حدّ التآمر للقضاء عليه لاحقا، هو من صنيعة عوامل متعددة كانت المملكة أساسها وقاعدتها ومبرر نجاعتها.

هل دفع الحريري ثمن ولائه للرياض؟ هل رأى القتلة به تمددا سعوديا داخل “هلال” أُريد له أن يكون من طهران إلى بيروت؟ هذه ليست أسئلة. هي يقين استنتجه المحققون، بعد أن استنتجه المحللون، واستنتجته الرياض قبل ذلك. قيل إن الملك عبد الله بن عبد العزيز أوصى دكتاتور دمشق بشّار الأسد بـ “ابننا”،

وحين قُتل عرفت السعودية أنها تعرّضت لهجوم في قلب بيروت. في جلستي معه حكى رفيق الحريري بالاحتمال والترجيح عن ملفات كثيرة وعن بلدان عديدة. وحين يأتي ذكر السعودية كان يعبّر عن متانة مرجع وصلابة سقف وثقة واعتزاز ويقين.

لا ينبغي فصل تجربة رفيق الحريري عن “الحالة” السعودية التي كان يمثّلها في بلد كان الأسد ونظامه يسطوان على الشارد والوارد به. ولا يمكن تخيّل الحريرية، بواجهاتها التي صارت متعددة بين فرع وأصل وظواهر وأقوام، بصفتها شأنا لبنانيا محليا مجردا من تلك الذاكرة وذلك الانتماء ووجهة الرياض.

ولئن قد يفقد الحريريون البوصلة السعودية، فإن تلك الواقعة ليست من طبيعة السيرة، ولا تشبه الرواية التي خطّها الرئيس الراحل ساعة بساعة حتى ساعته الأخيرة.

يحتفظ رفيق الحريري بوجدان جمهوره بالمكانة المتناسلة من زعامة وجدت لها أبعادا عربية وإقليمية ودولية. لم يمثّل الرجل نفسه ولم يعلّق نجاحاته على مواهب شخصه الاستثنائية فقط. كان “رجل السعودية” في لبنان، كما ارتأت العواصم الدولية وصفه وكما كان يفاخر ضمنا في ذلك، يلعب دورا مهدّدا لـ “رجال إيران” في المنطقة وكان الأسد واحدا منهم.

حين سقطت بغداد عام 2003 لتسقط لاحقا داخل نفوذ الوليّ الفقيه في إيران، برز الحريري في لبنان بصفتها ظاهرة سعودية مضادة. وحين أُعلن مقتله وذهب الإتهامات آليا إلى نظام دمشق، خرج من طهران ضيف فضائيات يلمّح إلى ما كان يشكّله الراحل من أخطار على “المحور والمشروع”.

مضى أكثر من عقدين على الحدث. سقط نظام القتل في دمشق فيما يترنح نظام “الثورة” في طهران. صار للقتلة أسماء وهويات صادرة عن محكمة دولية تفضح من خلفهم ومن خلف خلفهم.

لم ينته صراع الإرادات بين “جمهورية” تقتات على وباء الدويلات وفتنها، و “مملكة” تروّج لرؤية لا تقوم إلا على استقرار الدول وازدهارها. ارتأى الحريري خيارا أجاد التمسك به والعلاقة معه حتى مماته. هنا تكمن علّة من فقد هذا الخيار وانفصل عن رؤاه.

https://anbaaexpress.ma/nryo2

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى