في لحظة إنسانية مميزة من قلب مدينة لاهاي الهولندية، تحوّل نشاط خيري داخل مؤسسة تعليمية ثانوية إلى نافذة مشرعة على الثقافة المغربية، وإلى رسالة رمزية تعكس عمق تأثير مغاربة العالم في التعريف بوطنهم والدفاع عن ثوابته.
فكعادتها كل سنة، تختار المؤسسة جمعية ذات أهداف خيرية، وتخصص يومين من نهاية السنة الدراسية لتلاميذ السنة الرابعة من أجل تنظيم أنشطة لجمع التبرعات، عبر بيع “ورود المحبة والصداقة” بين التلاميذ والأساتذة، إضافة إلى أمسية يحضرها الآباء وأولياء الأمور يُنظم خلالها مزاد علني لبيع بعض الأغراض دعماً للعمل الخيري.
غير أن اللافت هذه السنة كان الحضور المغربي القوي داخل المؤسسة، من خلال نصب خيمة مغربية تقليدية في فضاء المدرسة، وبيع الشاي المغربي والحلويات والمرطبات.
فكرة انطلقت قبل ثمان سنوات بمبادرة من الأستاذ المغربي عبد الحميد العايدي، الذي اقترح على إدارة المؤسسة اعتماد الخيمة المغربية كفضاء ثقافي وخيري في آن واحد، فحققت نجاحاً لافتاً منذ دورتها الأولى، ليتم اعتمادها سنوياً.
الخيمة لم تكن مجرد ركن للضيافة، بل تحولت إلى ورشة تعريف بالمغرب: ديكور تقليدي، أجواء تعكس كرم الضيافة، شاي مغربي بطقوسه المعروفة، وحوارات مفتوحة حول التحولات الكبرى التي عرفتها المملكة في مختلف المجالات.
وكان التلاميذ الهولنديون هم من يشرفون على التنظيم والبيع، بعد جلسات تحضيرية للتعريف بأبعاد الثقافة المغربية ومعانيها.
فيديو يوثق أجواء الاحتفال داخل الخيمة المغربية في لاهاي
المفاجأة الأبرز جاءت حين أقدمت تلميذة هولندية على رسم خريطة المغرب من شماله إلى أقاليمه الجنوبية، في مشهد رمزي يعكس مدى تفاعل الأطفال الهولنديين مع الثقافة المغربية، بل وأضافت – بعفوية – الصحراء الشرقية إلى الخريطة، في دلالة على حضور الوعي الجغرافي والسياسي المرتبط بالمملكة.
كما توصلت أنباء إكسبريس بصور وفيديوهات حصرية توثق مختلف فقرات هذا النشاط الإنساني والثقافي، من لحظات نصب الخيمة المغربية داخل المؤسسة، إلى أجواء تقديم الشاي والحلويات، مرورًا بمشهد رسم خريطة المغرب كاملة من طرف تلميذة هولندية، في صور معبرة تعكس حجم التفاعل والانبهار بالثقافة المغربية داخل هذا الفضاء التربوي بمدينة لاهاي.
وفي تصريح خاص لأنباء إكسبريس، أكد الأستاذ عبد الحميد العايدي، أستاذ مادة البيولوجيا بالمؤسسة، أن هذا النشاط يُنظم سنوياً لجمع التبرعات لفائدة جمعيات خيرية، مضيفاً أنه اقترح منذ سنوات فكرة الخيمة المغربية وبيع الشاي والحلوى، وأن التلاميذ الهولنديين هم من يتولون تنفيذ الفكرة بكل حماس وانخراط.
هذا النموذج يعكس بوضوح الدور المحوري الذي يضطلع به مغاربة العالم في إبراز الثقافة المغربية خارج الحدود، ليس فقط من خلال التعريف بالعادات والتقاليد، بل أيضاً عبر ترسيخ صورة المغرب كبلد حضارة وتسامح واستقرار.
كما يُجسد مساهمتهم في الدفاع عن ثوابت المملكة ووحدتها الترابية بأساليب حضارية وراقية، تنطلق من العمل الثقافي والإنساني داخل المجتمعات التي يعيشون فيها.
إنها رسالة بسيطة في شكلها، عميقة في دلالاتها: خيمة مغربية في قلب أوروبا، وشاي يُسكب بروح الكرم، وخريطة وطن يرسمها أطفال لم يولدوا فيه، لكنهم تأثروا بثقافته وقيمه.




