آراء
أخر الأخبار

حكاية رمضانية.. وكأنها تروى بطعم الكون

ربا رباعي – الأردن

حين يقترب رمضان، لا يتغيّر التقويم فقط، بل يتبدّل إيقاع الحياة بأكمله. يصبح الوقت أكثر دفئًا، وتميل الأرواح إلى الصفاء، وكأن العالم يستعد لولادةٍ جديدة من الضوء.

غير أن أجمل ما في هذا الشهر لا يُقاس بعدد الأيام، بل بتلك اللحظات التي تتجمع فيها العائلة حول مائدةٍ تحمل أكثر من طعام.. تحمل ذاكرة، وهوية، وحكاياتٍ عابرةً للحدود.

في كل بيتٍ رائحةٌ مختلفة، لكن الشعور واحد. في بيتٍ ما تفوح رائحة الشوربة الساخنة، وفي آخر يتصاعد عبق البهارات من قدرٍ قديمٍ ورثته الجدة عن أمّها. تختلف الوصفات، تتنوع المقادير، تتبدل أسماء الأطباق، غير أن المعنى يظل ثابتًا: رمضان ليس جوعًا نؤجله حتى الأذان، بل شوقًا نختبر به قدرتنا على الصبر، ونقيس به عمق امتناننا.

المطبخ في رمضان ليس مجرد مكان لإعداد الطعام؛ إنه مسرحٌ صغيرٌ للذكريات. هناك، تتجاور الأجيال كما تتجاور التوابل في العلبة الواحدة. أمٌّ تعلّم ابنتها سرّ القرمشة في طبقٍ مقلي، وجدةٌ تهمس بأن “النكهة لا تأتي من الملح وحده، بل من المحبة التي تُحرّك الملعقة”. وهكذا تتحول الوصفة إلى درسٍ غير مكتوب في العطاء، ويتحوّل الطبق إلى رسالة حبٍ صامتة.

ومع غروب الشمس، تتوحد البيوت في لحظة انتظارٍ مهيبة. تتجه الأنظار نحو السماء، وتتهيأ القلوب قبل الأيدي. وعندما يصدح الأذان، لا يكون الإفطار مجرد كسرٍ للصيام، بل احتفالًا خفيًا بانتصار الإنسان على رغباته، وبقدرته على تحويل الحرمان المؤقت إلى معنى روحي عميق.

الأجمل في رمضان أنه يجمع العالم على اختلاف ألوانه وألسنته. ففي كل بلدٍ طبقٌ يحمل نكهة الأرض التي أنبتته، وثقافة الناس الذين أعدّوه، غير أن الجميع يلتقون حول الفكرة ذاتها: أن الطعام وسيلةُ تواصل، وأن المائدة مساحةُ سلام. كأن العالم، بكل تنوعه، يجلس إلى طاولةٍ واحدةٍ في هذا الشهر، يتبادل الأطباق كما يتبادل الدعوات الطيبة.

لهذا يمكن أن يكون رمضان “بطعم العالم” حقًا؛ لأن كل وصفةٍ فيه ليست مجرد مزيجٍ من مكونات، بل قصيدةٌ تُكتب بالنكهات، وحكايةٌ تُروى بالبخار المتصاعد من القدر، وذكرى تُحفظ في القلب قبل أن تُحفظ في دفاتر الطهي.

وفي النهاية، يبقى رمضان مدرسةً للروح، تعلّمنا أن البساطة قد تكون أعمق من الوفرة، وأن لقمةً صغيرةً بعد صبرٍ طويل، قد تحمل من المعنى ما لا تحمله موائد عامرة طوال السنة.

إنه الشهر الذي يذكّرنا بأن العالم، مهما اتسعت مسافاته، يمكن أن يلتقي في لحظة دعاء، أو في طبقٍ دافئ، أو في كلمةٍ صادقة تُقال على مائدةٍ يظلّلها الامتنان.

https://anbaaexpress.ma/ii7sq

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى