تشير الدينامية المتسارعة في العلاقات بين مصر وتركيا إلى مرحلة إعادة تموضع استراتيجي تتجاوز التطبيع الدبلوماسي التقليدي نحو تعاون ذي طابع أمني وعسكري أكثر وضوحاً، وهو ما برز خلال الزيارة الأخيرة لقائد القوات الجوية التركية إلى القاهرة، حيث طغت على المباحثات ملفات التنسيق الدفاعي ونقل الخبرات العسكرية في سياق إقليمي يتسم بتقلبات متسارعة وإعادة تشكيل لموازين النفوذ.
فقد أجرى قائد القوات الجوية التركية الفريق أول ضياء جمال قاضي أوغلو مباحثات مع نظيره المصري الفريق عمرو صقر ركزت على توسيع التعاون في مجالات التدريب العسكري والتسليح ونقل التكنولوجيا الدفاعية، في خطوة تعكس رغبة مشتركة في تعميق الشراكة الأمنية بين البلدين.
ويأتي هذا اللقاء امتداداً لاتفاقية الإطار العسكري التي وُقّعت مؤخراً بين القاهرة وأنقرة، والتي وضعت أساساً مؤسسياً لتطوير التعاون الدفاعي. وقد تناولت المناقشات سبل تعزيز التنسيق العملياتي وتكثيف برامج التدريب المشترك، إضافة إلى بحث فرص الشراكة في الصناعات العسكرية، بما يشير إلى انتقال تدريجي من مرحلة التطبيع السياسي إلى مستوى أكثر استراتيجية في العلاقات الثنائية.
وخلال الزيارة، اطّلع الوفد التركي على عدد من منشآت القوات الجوية المصرية، حيث تم استعراض منظومات حديثة في مجالي التدريب والتسليح، وهي خطوة تعكس مستوى متقدماً من الثقة المتبادلة يسمح بتبادل الخبرات والاطلاع على قدرات ميدانية متطورة.
ويأتي هذا التقارب بعد سنوات من التوتر الذي أعقب عام 2013، حين انعكس الخلاف السياسي بين البلدين على ملفات إقليمية عدة، أبرزها الأزمة في ليبيا والتنافس الجيوسياسي في شرق المتوسط. غير أن مسار إعادة التواصل بدأ تدريجياً منذ عام 2023، مدفوعاً بحسابات براغماتية لدى الطرفين، قبل أن يتعزز عبر تبادل السفراء وزيارات رسمية متبادلة.
وقد بلغ هذا المسار ذروته مع زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر، حيث عقد مباحثات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي أفضت إلى توقيع اتفاق تعاون عسكري يشمل مجالات التصنيع الدفاعي وتبادل الخبرات، إلى جانب حديث عن صفقات محتملة لمنظومات دفاعية متطورة.
ويرى مراقبون أن هذا التقارب يعكس إدراكاً متزايداً لدى البلدين بأن البيئة الإقليمية تفرض إعادة تموضع استراتيجي. فالتوترات المتصاعدة في البحر الأحمر واستمرار هشاشة الأوضاع في السودان وغزة، إضافة إلى المنافسة على الطاقة وخطوط الملاحة، كلها عوامل تدفع القاهرة إلى تنويع مصادر تسليحها وتعزيز استقلالية قرارها العسكري، بينما تسعى أنقرة إلى توسيع حضورها الدفاعي وكسر عزلتها السابقة في بعض دوائر الإقليم.
ولا يقتصر التعاون المرتقب على صفقات السلاح، بل يشمل أيضاً استئناف تدريبات بحرية وجوية مشتركة، وبحث إمكانية انخراط مصر في برامج صناعية عسكرية تركية متقدمة، وهو مسار قد يمهد مستقبلاً لتأسيس قاعدة صناعية دفاعية مشتركة تعزز القدرات الذاتية للطرفين.
في المقابل، تتابع إسرائيل باهتمام أي ترتيبات عسكرية جديدة في محيطها الاستراتيجي، خصوصاً تلك المرتبطة بتوازنات شرق المتوسط والبحر الأحمر، فيما ترى أطراف أخرى في تنامي التعاون الدفاعي المصري-التركي محاولة لتقليص الاعتماد التقليدي على الموردين الغربيين، بما يحمله ذلك من أبعاد سياسية واقتصادية.
ويؤكد مسؤولون في القاهرة وأنقرة أن الشراكة تستهدف دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز الأمن البحري ومكافحة الإرهاب، لا خلق محاور تصادمية. ومع أن هذا المسار يظل رهيناً بقدرة الطرفين على إدارة تبايناتهما في بعض الملفات الحساسة وترجمة الاتفاقيات إلى برامج تنفيذية مستدامة، فإن المؤكد أن صفحة جديدة فُتحت في العلاقات الثنائية، وقد يمتد تأثيرها إلى مجمل توازنات الشرق الأوسط في مرحلة تتسم بقدر كبير من التحول وعدم اليقين.
