آراء
أخر الأخبار

بين جوهر الدين.. وبريق النجومية

لقد تحول الداعية في كثير من الأحيان إلى نجم رقمي، حيث يتابعه الآلاف عبر الشاشات بحثاً عن الراحة أو الإثارة، وتعضده تلك الصورة اللامعة التي تظهره كقدوة مثالية بعيدة عن أخطاء البشر

عبد الله فضّول

هل تساءلت يوماً عن سر تحول بعض الدعاة في فضائنا المعاصر إلى (نجوم رقميين) يحظون بمتابعة الآلاف وتضفي عليهم التعاليق هالة من القداسة؟ وما الذي يحدث حين يتصدى لتوجيه المجتمع من لم ينل نصيباً كافياً من التكوين العلمي، أو من لم يتجاوز مستواه الدراسي الشهادة الإعدادية؟

إن الإجابة عن هذين السؤالين تفرض علينا وقفة صريحة لنقد الواقع. فما الذي يعنيه أن ننتقد كلام الدعاة اليوم؟ إن القصد هنا هو إرساء قاعدة مفادها أن كلام الداعية ليس مقدساً كالدين نفسه، بل هو مجرد فهم بشري يحتمل الخطأ والصواب.

لأن من يظن أن كل ما يسمعه من الداعية هو عين الحقيقة، لن يستطيع أبداً أن يستخدم عقله ليميز بين الفكر السليم والفكر الخاطئ. وهذا يحيلنا مباشرة إلى رصد ظاهرة (الداعية النجم) الذي استبدل عمق الفقيه ببريق الشاشة، وإلى هيمنة لغة الوعظ العاطفي التي تداعب المشاعر وتتجنب إيقاظ العقل، ويمنع عنا هذا الخطاب في صيغته الحالية ممارسة حقنا في التساؤل والبحث عن المعنى، وبهذا يمكن إدراك حجم الفجوة بين تطلعات الإنسان المعاصر وما يقدمه هؤلاء من قوالب جاهزة.

يغلب على خطاب هؤلاء الدعاة تركيز شعائري مكثف، وهو بعد مظهري يقف عند حدود الهيئة والطقوس الخارجية، مغيباً بذلك كل ما هو أساسي وجوهري في جوهر العقيدة الذي لا يمكن الفصل فيه بين السلوك الفردي والالتزام الأخلاقي.

فالدين لا يكتمل بمجرد أداء العبادات في معزل عن التعامل مع الناس، إذ لا يعقل أن يكون المرء متديناً في المسجد ثم يصبح فظاً أو غير صادق في سوقه وبيته؛ فالمبادئ لا تتجزأ. ولكن أن يكون هذا المظهر هو الطاغي على محتوى المواعظ، فهنا تكمن الإشكالية، إذ يغيب الجوهر الأخلاقي الذي قامت عليه الرسالة، فما جاء الإسلام إلا ليتمم مكارم الأخلاق ويهذب الوجدان.

وعند التدبر في سورة الفرقان، واستحضار ما ذهب إليه أهل التفسير المقاصدي والمعاصر، نجد أن السورة تضع أيدينا على تحديات وجودية تلامس صلب ما نعيشه اليوم. فالمتأمل في قوله تعالى: يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً، يدرك – كما يشير العلماء – أن الهجر ليس مجرد تركٍ للتلاوة، بل هو هجرٌ لتدبره والعمل بقيمه في واقعنا المعاش، وهو ما يفسر ارتماء البعض في أحضان (القشور) وترك الجوهر.

كما يستنبط الباحثون من إنكار المشركين على الرسول أكلَه الطعام ومشيَه في الأسواق، تحدياً عصرياً يتعلق بـ ما يسميه البعض (صناعة القدوات)؛ حيث يُفتن الناس بالهالة والنجومية المبهرة، ويغفلون عن بشرية الداعية ورسالة العلم الحقة.

لقد تحول الداعية في كثير من الأحيان إلى نجم رقمي، حيث يتابعه الآلاف عبر الشاشات بحثاً عن الراحة أو الإثارة، وتعضده تلك الصورة اللامعة التي تظهره كقدوة مثالية بعيدة عن أخطاء البشر.

وهذا يذكرنا بالمثل التربوي؛ فلا يمكننا اعتبار التلميذ مجتهداً لمجرد أنه يحمل كتباً كثيرة، بل عندما نرى أثر ذلك الاجتهاد في وعيه وسلوكه. ومن المثير للتأمل أن نجد من يتصدر لتوجيه الناس من لم يتجاوز مستواه الدراسي الشهادة الإعدادية، ومنهم من لم ينل حتى شهادة البكالوريا، ومع ذلك يُقدمون كمرجعيات فكرية، مما يوقع الناس في فخ (الإيمان المقلوب)؛ الذي يقدس الأشخاص ويتمسك بالقشور، بينما يترك لبّ الدين وجوهره.

وبالفعل، يحضر في هذا الخطاب بقوة أسلوب التخويف الذي يطغى على لغة الود والرحمة، فتجد التركيز دائماً منصباً على أهوال النار وصور العذاب، وكأن الغاية هي سجن الناس في رعب دائم.

وبدلاً من فتح آفاق التفكير، تُشهر في وجه المخالف لغة الإقصاء، مما يجعل التدين مبنياً على الخوف لا على القناعة والمحبة. وإذا حضرت الجنة في ثنايا كلامهم، فإنها غالباً ما تُختزل في توصيفات مادية، وهو ما يحول التطلع لما عند الله من سمو روحي إلى رغبات محدودة.

والغريب أن بين هؤلاء الدعاة أنفسهم تشتعل أحياناً نيران سجال وحرب كلامية لا تهدأ، حيث يتجاوز الاختلاف المحمود ليصل إلى التنابز بالألقاب والحط من الأقدار أمام الملأ. وبدلاً من تقديم نموذج في أدب الاختلاف، نجد الارتماء في أحضان التفسيق والتبديع، مما يسقط هيبة الخطاب الديني برمتة ويجعل المتابع العادي في حيرة من أمره، أمام مشهد لا يعكس من القيم التي يُبشر بها هؤلاء إلا القليل.

إذن، ما هو المخرج من هذا (الانتفاخ الدعوي)؟ إن أولى خطوات الحل تبدأ من المستمع نفسه؛ بأن يدرك أن العقل ميزان، فلا ينبغي أن يسلم مفاتيحه لكل من اعتلى منصة أو جمع متابعين، بل عليه أن يميز بين جوهر الدين وبين الآراء الشخصية.

كما أننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار للعلم الحقيقي، فلا يعقل أن يُترك توجيه الناس لمن لا يملك تكويناً علمياً رصيناً يؤهله لفهم تعقيدات العصر.

والحل الأهم يكمن في تحويل التدين من (مظاهر خارجية) و(خوف دائم) إلى سلوك وأخلاق تُرى في الصدق، والأمانة، ونفع الناس. هكذا فقط، ننتقل من تقديس النجوم إلى فضاء القيم، ومن رعب التخويف إلى طمأنينة العمل الصالح.

https://anbaaexpress.ma/quwat

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى