آراءسياسة
أخر الأخبار

بين التسوية والمقاومة.. مأزق المشروع الوطني الفلسطيني

لقد أظهرت تجربة خيار المقاومة المسلحة أنه لم يقدم مقاربة بديلة فعّالة عن مسار أوسلو التفاوضي، بل قاد في كثير من الحالات إلى نتائج كارثية على الأرض..

د. منصور أبو كريم 

منذ توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، دخلت الحركة الوطنية الفلسطينية طورًا جديدًا قام على الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وعلى إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية ككيان سياسي وإداري انتقالي يفترض أن يقود إلى دولة مستقلة خلال خمس سنوات.

جاء الاتفاق في سياق دولي مختل عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وتراجع الدعم العربي، وصعود أحادية قطبية أمريكية. بالنسبة لمؤيديه، كان أوسلو تعبيرًا عن “فن الممكن” في لحظة ضعف تاريخية، ونافذة لانتزاع اعتراف دولي بالكيانية السياسية الفلسطينية.

غير أن مسار أوسلو تعثّر مبكرًا، إذ أُجّلت القضايا الجوهرية – القدس، اللاجئون، الحدود، والمستوطنات – إلى مفاوضات الحل النهائي دون أي ضمانات ملزمة، بينما استمر التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية بوتيرة متصاعدة.

عمليًا، تحولت السلطة الفلسطينية إلى إدارة مدنية محدودة الصلاحيات، مقيدة بقيود أمنية واقتصادية معقدة، وتآكلت الثقة الشعبية بجدوى المسار التفاوضي.

وفي هذا الإطار، برزت معارضة قوية للاتفاق، على رأسها حركة حماس، التي عملت على إفشال جهود التسوية من خلال سلسلة من العمليات التفجيرية، معتبرة أن الاتفاق لم يحقق سيادة حقيقية للفلسطينيين، وأن خيار التسوية وحده لا يضمن حقوقهم الوطنية.

 لقد تبنّت حماس وفصائل أخرى خيار المقاومة المسلحة باعتباره وسيلة ضغط لانتزاع الحقوق في ظل اختلال ميزان القوى.

ومع اندلاع الانتفاضة الثانية ثم الانقسام الفلسطيني بعد 2007، دخلت الساحة في ثنائية حادة بين مسار تفاوضي متعثر في الضفة ومسار مقاوم محاصر في غزة. أدت الجولات العسكرية المتكررة إلى دمار إنساني واسع، وأعاد الحصار تشكيل الحياة اليومية في القطاع، بينما استمر الاستيطان في الضفة وتعمّقت الوقائع على الأرض. وهكذا وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام كلفة بشرية باهظة دون اختراق سياسي واضح.

لقد أظهرت تجربة خيار المقاومة المسلحة أنه لم يقدم مقاربة بديلة فعّالة عن مسار أوسلو التفاوضي، بل قاد في كثير من الحالات إلى نتائج كارثية على الأرض.

فبينما سعت فصائل المقاومة إلى ممارسة ضغط على الاحتلال وانتزاع الحقوق الفلسطينية، أدت الدورات المتكررة من العمليات العسكرية والحصار إلى دمار واسع للبنية التحتية، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وإضعاف المؤسسات الفلسطينية، دون تحقيق أي اختراق سياسي يذكر.

كما ساهمت هذه التجربة في تعميق الانقسام الداخلي بين الضفة وغزة، وتراجع الثقة الشعبية بالمشروع الوطني، ما جعل الفلسطينيين يدفعون كلفة بشرية واقتصادية هائلة دون أن تتحقق مكاسب سياسية ملموسة.

عند تقييم المآلات، تبدو الصورة مركّبة. فأنصار أوسلو يقولون إن الاتفاق – رغم قصوره – وفّر اعترافًا دوليًا وبنى مؤسسات، وأن البديل المسلح لم يحقق إنجازًا سياسيًا يوازي حجم التضحيات، بل أسهم في تكريس الانقسام وإضعاف الموقف الفلسطيني.

في المقابل، يرى معارضو أوسلو أن المسار التفاوضي لم يكن قابلًا للتحقق أصلًا في ظل اختلال القوة، وأن الاستيطان تمدد تحت مظلة “عملية السلام”، ما يعني أن الفشل لم يكن نتيجة المقاومة بل نتيجة بنيوية في الاتفاق ذاته.

المحصلة أن الأزمة الفلسطينية الراهنة ليست حصيلة خيار واحد بقدر ما هي نتاج تفاعل مسارين افتقدا إلى استراتيجية وطنية موحدة. فالتفاوض دون أوراق قوة يتحول إلى إدارة أزمة، والمقاومة دون أفق سياسي تتحول إلى استنزاف مفتوح. وبين هذين الحدين، ظل المشروع الوطني يتآكل بفعل الانقسام الداخلي، والتحولات الإقليمية، وتراجع مركزية القضية في النظام الدولي.

لعل الدرس الأبرز أن الثنائية الصلبة بين “التسوية والمقاومة” لم تنتج حتى الآن مسارًا تحرريًا ناجعًا. فالمطلوب ليس إعادة إنتاج أحد الخيارين بصيغته القديمة، بل بلورة رؤية تجمع بين نضال سياسي ودبلوماسي فعّال، ومقاومة شعبية واسعة، وإعادة بناء وحدة وطنية على برنامج مشترك.

فالقضايا الكبرى لا تُقاس بالشعارات ولا بالنوايا، بل بقدرتها على تحويل التضحيات إلى إنجازات سياسية ملموسة تحفظ الإنسان والأرض معًا.

* كاتب وباحث سياسي فلسطيني

https://anbaaexpress.ma/s9u0c

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى