شادي منصور
حادثة المعراج في الإسلام تُقدَّم عادة بوصفها فريدة، لكن عند وضعها في سياق تاريخ الأديان، يتبيّن أن الصعود إلى السماء، أو الانتقال من العالم الأرضي إلى العوالم العلوية، ليس حدثًا معزولًا في التجربة الدينية البشرية، بل نموذج رمزي متكرر ظهر في حضارات وديانات متعددة، توحيدية ووثنية وفلسفية.
هذه المقاربة لا تهدف إلى نفي الخصوصية الإسلامية، بل إلى وضعها ضمن الذاكرة الدينية المشتركة التي عبّر من خلالها الإنسان، عبر العصور، عن رغبته في تجاوز حدوده الأرضية والاتصال بالمطلق.
في الإسلام، عرج النبي محمد في رحلة استثنائية تبدأ بالإسراء وتنتهي بالمعراج، حيث ينتقل من الأرض إلى السماوات العلا، ويلتقي بأنبياء سابقين، ويبلغ تخوم الغيب، ثم يعود إلى العالم حاملًا تكليفًا لا وعدًا بالخلاص. غير أن ما يمنح هذه الرحلة عمقها الرمزي لا يكمن في الصعود وحده، بل في الوسيط الذي جعله ممكنًا: البراق.
فالبراق، ككائن سماوي، ليس مجرد عنصر عجائبي في السرد، إنه كائن يُعتبر حدّاً فاصلاً بين عالمين، ويؤدي وظيفة العبور التي تعجز عنها الطبيعة البشرية وحدها. هو ليس ملاكًا ولا حيوانًا أرضيًا، بل تركيب رمزي يسمح بخرق المسافة بين المحدود واللامحدود، بين الأرض والسماء.
هذا النموذج – الصعود عبر كائن وسيط – لا يظهر للمرة الأولى في الإسلام، بل نجده بوضوح في أقدم حضارة عرفها التاريخ المدوّن: حضارة وادي الرافدين. تشير النصوص السومرية والأكدية إلى أن أول من “عرجوا” إلى السماء في التاريخ المسجّل كانوا ملوكًا، لا آلهة، ما يكشف مبكرًا عن وظيفة سياسية–رمزية لفكرة المعراج.
أقدم هؤلاء هو الملك إنميدورانكي، سابع ملوك سومر قبل الطوفان، والذي تقابله شخصية إدريس في التراث الديني اللاحق. تصفه النصوص المسمارية بأنه ملك حكيم اختير من الآلهة، وأُدخل إلى مجالسهم، وتلقّى منهم “نواميس السماء والأرض”، أي قوانين الحضارة والحكمة والعبادة.
إنميدورانكي لا يعرج مرة واحدة فقط، بل يُستدعى إلى السماء، ثم يعود إلى الأرض ليعلّم البشر، قبل أن يُرفع مجدداً ولا يعود. هنا يظهر المعراج بوصفه فعل انتقال نهائي من العالم الإنساني إلى المجال الإلهي، لا بالموت، بل بالاصطفاء.
الشخصية الثانية هي الملك إيتانا، بطل إحدى أقدم الملاحم المعروفة. إيتانا يصعد إلى السماء على ظهر نسر عملاق، بحثًا عن “نبتة الإنجاب” التي تمنحه القدرة على إنجاب وريث. الصعود هنا يتم عبر كائن حيّ، الطائر، الذي يسمح للملك بتجاوز حدود الأرض.
الرحلة ليست روحية فقط، بل جسدية، مصوّرة بتفاصيل دقيقة تصف تغيّر شكل الأرض كلما ارتفع الصاعد. النسر في ملحمة إيتانا يؤدي الدور نفسه الذي سيؤديه البراق لاحقًا: كائن وسيط يسمح بعبور المجال المحرّم على البشر.
هذان النموذجان الرافديان يكشفان أن فكرة المعراج لم تولد بوصفها تجربة نبوية فقط، بل كآلية رمزية تمنح السلطة والمعرفة شرعية سماوية. الملك لا يحكم لأنه قوي، بل لأنه صعد، أو اختير، أو عاد من السماء حاملًا قانونًا.
في التصورات الدينية القديمة، لا يصعد الإنسان بمفرده. السماء ليست امتدادًا طبيعيًا للأرض، بل مجالًا مختلفًا في قوانينه وكيانه، ولذلك احتاج الصعود دائمًا إلى وسيط: حيوان مجنّح، مركبة نارية، أو كائن مركّب يجمع صفات متعددة. هذا الوسيط لا يؤدي وظيفة النقل فقط، بل يمنح الصعود شرعيته الرمزية، ويؤكد أن العبور ليس فعل قوة، بل فعل اصطفاء.
في النصوص العبرية، يظهر هذا النموذج بوضوح. أخنوخ، الذي “أخذه الله”، يتحول في الأدب اليهودي اللاحق إلى رحّالة سماوي يرى السماوات المتعددة، والملائكة، وعرش الإله. الصعود هنا ليس حركة في المكان فقط، بل تحوّل في الكينونة، حيث يغادر الإنسان وضعه العادي ليصبح شاهدًا على النظام الكوني.
أما إيليا، فيصعد إلى السماء في مركبة من نار تجرّها خيول نارية. حضور الخيول، حتى في هيئة نارية، ليس تفصيلًا ثانويًا، بل تأكيد على أن الصعود الجسدي يحتاج إلى كائن غير أرضي، وأن النار تؤدي وظيفة التطهير التي تجعل الجسد قابلًا للعبور.
في الحضارة الفارسية القديمة، تتخذ فكرة الصعود شكلًا أكثر تجريدًا. الزرادشتية لا تقدّم دابة سماوية بالمعنى الحرفي، لكنها تركز على الرحلة الرؤيوية التي يخترق فيها زرادشت العوالم العليا ذهنيًا وروحيًا، ويطّلع على بنية الكون القائمة على الصراع بين الخير والشر.
هنا تصبح السماء مجالًا معرفيًا وأخلاقيًا أكثر منها مكانًا حسّيًا، ويغدو الوعي نفسه أداة العبور. ومع ذلك، تبقى الوظيفة الرمزية واحدة: الخروج من العالم المألوف والعودة برؤية تؤسس للنظام الأخلاقي.
في الهندوسية، يبلغ حضور الكائن الوسيط ذروته. الآلهة والحكماء ينتقلون بين العوالم على ظهور كائنات أسطورية، أبرزها غارودا، النسر العملاق الذي يحمل فيشنو عبر السماوات. غارودا ليس مجرد مخلوق خيالي، بل رمز للسيادة على المجال الكوني، ولإمكانية الانتقال بين مستويات الوجود كما لو كانت طبقات في بنية واحدة.
الصعود هنا ليس حدثًا استثنائيًا، بل حركة كونية دائمة، ما يعكس تصورًا مختلفًا للعالم، لكنه يؤكد الفكرة نفسها: لا عبور بلا وسيط.
في الأساطير اليونانية، يؤدي الحصان المجنّح بيغاسوس الدور ذاته. فهو ليس إلهًا، بل أداة انتقال بين الأرض والأولمب، ووسيلة تتيح للبشر الاقتراب من المجال الإلهي دون الانتماء إليه.
أما في حضارات بلاد الرافدين، فتظهر الثيران والأسود المجنّحة بوصفها حارسة للبوابات الكونية، ومركبات رمزية للآلهة. هذه الكائنات المركّبة، التي تجمع الإنسان والحيوان والطائر، تعبّر عن فكرة واحدة: السماء لا تُفتح إلا لمن يمتلك مفتاح العبور.
عند العودة إلى المعراج الإسلامي في ضوء هذا التراث الواسع، تتضح فرادته بشكل أدق. فالبراق، رغم مركزيته، لا يتحول إلى موضوع عبادة، ولا يُستعاد خارج لحظة المعراج. الصعود لا ينتهي بإقامة في السماء، ولا بتأليه الصاعد، بل بالعودة إلى الأرض محمّلًا بالتكليف.
السماء هنا ليست موطنًا بديلًا عن العالم، بل مرجعًا أعلى يُعاد منه تنظيم العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان والعالم.
في هذا السياق، يصبح المعراج لحظة وعي قصوى لا خروجًا من التاريخ. فالصعود لا يلغي الأرض، بل يعيد تثبيتها ضمن أفق أوسع للمعنى. الصلاة، التي فُرضت في المعراج، ليست تكرارًا للرحلة، بل تذكيرًا دائمًا بها، رابطًا يوميًا بين المحدود واللامحدود، دون الحاجة إلى معجزة متجددة.
من البراق إلى خيول النار، ومن غارودا إلى بيغاسوس، لا يبدو أن الإنسان تخيّل الصعود إلى السماء بوصفه حركة جسدية فحسب، بل كفعل رمزي يعكس توقًا عميقًا إلى تجاوز شرطه الأرضي. الحيوان الأسطوري، في جوهره، هو استعارة عن تلك اللحظة التي يعجز فيها العقل البشري وحده عن العبور، فيستعين بالمخيلة كي تُكمل ما تعجز عنه الطبيعة.
السماء، في هذا المعنى، ليست مكانًا جغرافيًا بقدر ما هي أفق للمعنى، والصعود إليها لا يعني مغادرة العالم، بل النظر إليه من علياء، أي إعادة ترتيبه داخل الوعي الإنساني.
بهذا المعنى، لا تكمن أهمية المعراج في كونه حدثًا خارقًا، بل في كونه تعبيرًا مكثفًا عن سؤال إنساني قديم: كيف يمكن للكائن المحدود أن يتصل بما يتجاوزه، من دون أن يفقد مكانه في العالم؟ والجواب، كما تقول الأساطير والأديان معًا، ليس البقاء في السماء، بل في العودة منها، محمّلًا بمعنى يجعل العيش على الأرض ممكنًا.




